أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
7
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
الأمّة وتشتدّ . وبقدر ما تتّصف به الفكرة الرساليّة من رحابة أفق وإنسانيّة في المفاهيم ، وما يتوفّر في القيادة من سعة قلب وموضوعيّة في العمل ، تمتدّ الأمّة وتتّحد أبعادها . فالفكرة الرساليّة والقيادة هما إذن القاعدة الأولى لوجود الأمّة وتحديد أبعادها المكانيّة والزمانيّة . ونحن بوصفنا نملك هذه القاعدة لوجودنا بكلا حدّيها الفكري والقيادي ، فالفكرة الرساليّة هي الإسلام الذي [ وضع ] للأمّة بذرتها الروحيّة والنظريّة وأعطاها مقوّماتها الفكريّة . وعامل القيادة تمثّل في أبطال الرسالة كالحسين ( ع ) وغيره من تلامذة القائد الأعظم رسول الله ( ع ) الذين وضعوا للأمّة بذرتها البشريّة وحدّدوا لها الطريق وجسّدوا الفكرة وأناروا الدرب وزوّدوا الأمّة برصيدها من المثل والتضحيات . وإذا كانت الأمّة تولد بمولد الفكرة الرساليّة ومولد القيادة التي تجسّد الفكرة ، فمن الطبيعي أن تحتفل أمّتنا الإسلاميّة العظيمة بيومٍ كهذا اليوم المبارك ، لأنّ مولد الحسين وأبي الحسين يحمل معنىً من معاني مولد الأمّة . وإذا كان يوم المبعث هو يوم مولد الفكرة التي تمخضت عنها السماء متمثّلةً في رسالة الإسلام الكبرى ، فإنّ أيّام الميلاد المباركة هي التي قدّمت للرسالة قادتها الميامين ، وأكملت بذلك القاعدة الأساسيّة في وجود الأمّة ، فامتزجت الفكرة بالقيادة وأسفر ذلك عن أمّة هي خيرُ أمّة أخرجت للناس « 1 » . وهكذا نجد أنفسنا مشدودين إلى هذه الذكريات المباركة ومرتبطين بها ارتباط حياة ، لأنّها ذكريات وجودنا الأكبر كأمّة تحت الشمس تحمل لواء الإسلام ومشعل التوحيد وتحمي كلمة السماء [ على ] « 2 » وجه الأرض . فذكرى الحسين ( ع ) في مولده أو شهادته أو ملحمة حياته الكبرى ليست بالنسبة إلينا مجرّد استرجاع [ لماضٍ ] مجيد ، وإنّما تعبّر عن جزءٍ من القاعدة التي يبتني عليها وجود الأمّة ، فالأمّة إذ تحتفل بذكريات الحسين وعلي ( ع ) أو بسائر ذكريات الإسلام ، إنّما تؤكّد وجودها كأمّة واعتنائها بكلّ المقوّمات الأساسيّة لهذا الوجود . وعلى هذا الأساس ندرك أنّ كلّ محاولة لتعميق ربط الأمّة بمصادر وجودها الرساليّة والقياديّة وشدّها إلى رسالتها الإسلاميّة الكبرى وقادتها الميامين هي في الحقيقة عملٌ في سبيل وجود الأمّة بالذات . وكلّ محاولة تستهدف تبعيد الأمّة عن الإسلام أو قادته الميامين في أيّ مجالٍ من مجالات الحياة الفكريّة والعمليّة هي في الحقيقة مؤامرة على وجود الأمّة ومحاولة لسرقة مقوّماتها الأساسيّة منها وتعريتها عن مبرّرات وجودها كأمّة تحت الشمس . وعلى هذا الأساس أيضاً نعرف أنّ إصرار الأمّة المتمثّل في إرادتكم أيّتها الجماهير المؤمنة على اختيار طريق الإسلام في كلّ مجالات الحياة الاعتقاديّة والاجتماعيّة والانطلاق في نفس الاتّجاه القيادة الكبرى التي جسّدها الحسين وأبو الحسين ( ع ) . إنّ هذا الإصرار إنّما يعبّر عن إدراك الأمّة أنّ هذا هو الطريق الوحيد لمواصلة وجودها وأصالتها والحصول على سعادة دنياها وآخرتها . ومن خلال هذا الترابط الجذري الذي يشدّ الأمّة إلى رسالتها الإسلاميّة وقيادتها الرائدة ، يمكنكم أن تعرفوا أيّها الإخوة حقيقة الدور الذي تمارسه حوزة الإسلام الكبرى هنا في النجف ، حوزة الإمام جعفر بن محمّد ( ع ) التي نذرت نفسها خلال ألف عام تقريباً من تاريخها المجيد لتذكير الأمّة دائماً بمقوّمات
--> ( 1 ) ناظرٌ إلى : آل عمران : 110 ( 2 ) في الأصل : عن .