أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

128

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

4 - لا عمل دينيَّ يقومون به إلّا منازعة أهل الحق والمناصرة السلبيّة لأهل الباطل . كما جرى ذلك بين اثنين من أهل العلم : الأوّل : أمر بأنّ كل من يقذف على الله أو على النبي أو الإمام فاضربوه . الثاني : قال أليس من الحرام أنّ فلاناً يعترض أحد العصاة فيأخذ ذاك سلاحاً ويطلقه عليه فإذا هو من الأموات ؟ ! والأمثلة على ذلك كثيرة في بعض بلدان الشيعة . فبالقسم الثاني هلك الناس وضلّوا ، وقد صدق رسول الله ( ع ) : حيث قال قصم ظهري إلّا اثنان : عالم متهتّك وجاهل متنسّك « 1 » . هذه الفئة ليس لها همٌّ إلّا محاربة أهل الحق الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فإذا قام العالم المحقّ بمشروع خيري مثلًا يقوم الثاني بمشروع آخر ضدّه ، فيقف الناس حيارى ولا يدرون مع أيٍّ منهم يسيرون ، وأخيراً ينقسمون إلى ثلاث فئات : الأولى : قسمٌ يلتحق بالمحق ويناصره بكلّ ما لديه من قزّة « 2 » ، وهؤلاء هم الأقلّون عدداً . وقسمٌ ينحاز متّبعاً للمنافع الدنيويّة ، فمتى ما حصّل غايته ابتعد كأنّه ليس من المسلمين . الثانية : قسمٌ ينحاز إلى المبطل انتصاراً لمبدئه لأنّه من أنصار الباطل . قسمٌ ثانٍ ينحاز تبعاً للمنافع الدنيويّة يميل معها حيث يميل . الثالثة : هم الانعزاليّون ، لا مع العير ولا مع النفير « 3 » . فاتّضح لنا من ذلك أنّ الشبهة حصلت عند الناس ، والناس كما هو معلوم لديكم - تباع كلّ ناعق « 4 » ، عقولهم بأعينهم ، فإذا دعاهم المؤمن أو العالم المحقّ للإتلاف « 5 » مثلًا فإذا لم يقولوا له وجهاً لوجه ، يقولون ذلك بعد أن يغيب عنهم . أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ « 6 » . « روحوا اتّفقوا مع بعضكم وبعد ذلك ادعونا لنصرتكم » . وإذا دعاهم لبذل قسمٍ من المال يقولون وجهاً لوجه : ( إنّما يريد ذلك لنفسه ، لو كان تقيّاً لماذا اختلف مع فلان ؟ ! ) . ولكن مع هذا كلّه [ فأكثر ] هؤلاء يعرفون المحقّ من المبطل بحكم رسول الباطن الذي هو العقل ، حيث لا يوجد مال من قبل الطرفين ، لأنّ المحقّ لا يبيع دينه بدنياه ، والمبطل أعمى قلبه وبصره حبّ الدنيا واتّباع الشهوات ، فلا تسمح نفسه بأن يكون مناصره إلّا بما هو يسير ما دام له فيه [ . . ] منفعة . سيّدي ! لعلّك تقول لي الآن : ما دام الأكثر يعرفون المحقّ فلماذا لا يلتزمون به ويتّبعونه ؟ ! فأقول : نعم سيّدي ، كلامكم هو الصدق والواقع ، ولكم يختلط الحق على أكثر الناس عندما يبرز هذا

--> ( 1 ) كذا في الوثيقة ، والصحيح أنّه عن أمير المؤمنين : « قصم ظهري عالمٌ متهتّك . . » ( بحار الأنوار 11 : 2 ) ، وفي بعض الكلمات : « ما قصم ظهري إلّا رجلان . . . » ( غرر الحكم : 48 ، رقم 245 ) ، وورد مثله عن الإمام الصادق ( بحار الأنوار 208 : 1 ) ( 2 ) كذا في الوثيقة ، والقزّة في اللغة هي الوثبة ، أو أن يكون الصحيح ( قدرة ) ( 3 ) يقال للخامل : « لا في العير ولا في النفير » ( شرح نهج البلاغة 334 : 1 ) ( 4 ) انظر : نهج البلاغة : 495 ( 5 ) كذا ، ولعلّ الصحيح : الائتلاف ( 6 ) البقرة : 44 .