أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
8
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
ولم تخلُ جبال عاملة بعد استشهاد الشهيد الأول ، بل انتشرت الحركة العلميّة التي أسّسها وتمّ تصعيدها والحيلولة دون انقراضها على يد العشرات بل المئات من العلماء الأبرار ، فظهرت المدارس العلميّة في ميس وجبع وعيناتا والنبطيّة والكوثريّة وحنويه والخيام وعيتا وبنت جبيل وشقراء وشحور ، وامتلأت جبال عاملة بالفقهاء والفضلاء حتّى قيل : إنّه حضر سبعون مجتهداً في تشييع جنازة في قرية من قرى جبل عامل ، وذلك في عصر الشهيد الثاني وما قاربه « 1 » . وانصرف جلُّ أبناء الجبل إلى طلب العلم ، ولا تعثر في معظم الأسر يومذاك إلّا على فقيه أو فاضل ، [ و . . عدد علمائهم يقارب خمس عدد علماء المتأخّرين ، وكذا مؤلّفاتهم بالنسبة إلى مؤلّفات الباقين ، مع أنّ بلادهم بالنسبة إلى باقي البلدان أقلّ من عشر العشر . . ] « 2 » . ومن هذه الأسر العلميّة الجليلة آل شرف الدين التي ساهم أبناؤها في إحياء الحركة الفقهيّة في أكثر من موقع ، ولعلّ أبرز مظاهر هذه المساهمة كان في جبع وشحور . ويقف في مقدّمة رجال هذه الأسرة الشهيد السيّد عزّ الدين الحسين بن أبي الحسن الموسوي المستشهد سنة ( 963 ه ) ، أي قبيل استشهاد الشهيد الثاني بسنة أو سنتين ، على اختلاف الرواة في شهادة الأخير . وآل الصدر من أشهر الأسر العلويّة وأعرقها في العلم والفضل والأدب والورع والتقى والصلاح . وهذه الأسرة العريقة قد اتّخذت ألقاباً مختلفة باختلاف العصور طيلة ما يزيد على قرنين ، فكانوا يلقّبون تارةً ب ( آل أبي سبحة ) ، وأخرى ب ( آل حسين القطعي ) ، وثالثة ب ( آل عبد الله ) ، ورابعة ب ( آل أبي الحسن ) ، وخامسة ب ( آل شرف الدين ) وأخيراً ب ( آل الصدر ) . والحديثُ عن المقام العلمي لهذه الأسرة حديثٌ عن الآباء والأجداد ولا يختصّ باللقب الأخير ، فإنّ لقب ( آل الصدر ) ليس بعيداً ، بل لا يزيد عمره الزمني على المائتي سنة سوى بضع سنين . ولأجل التعرّف على مقام هذه الأسرة الجليلة ، لا بدّ من معرفة مدى مساهمة علمائهما وعميق تأثيرهم العلمي على مرّ العصور وفي أكثر من موقع . والحقيقة هي أنّ آثار فضل علمائهم ما زالت شاخصةً للعيان منذ أمدٍ بعيد وفي أكثر المعاهد العلميّة والمراكز الفقهيّة التي ظهرت في البلاد الإسلاميّة : 1 في مكّة المعظّمة في مكّة المكرّمة كان لهم شأنٌ عظيم ، إذ كانت في سالف الزمان والأيّام الغابرة موطناً لكثيرٍ من علماء الإماميّة ، وفي مقدّمة هؤلاء علماء هذه الأسرة . ولعلّ أوّل من رحل إلى مكّة هو السيّد نور الدين جدّهم الأعلى الذي كان في أوّل أمره في بلاد الشام ، ثمّ رغب في الهجرة إلى بيت الله الحرام ، وصار له في تلك الديار مقامٌ علميٌّ جليل ، وأخذ
--> ( 1 ) انظر : أمل الآمل 15 : 1 ؛ أعيان الشيعة 38 : 1 نقلًا عنه . والذي عثرتُ عليه هو أنّ ابنة الشهيد الأوّل ، وهي أم الحسن فاطمة المدعوّة ب ( ستّ المشايخ ) لمّا توفّيت في جزّين - وكانت عالمة فاضلة فقيهة صالحة عابدة ( أمل الآمل 193 : 1 ) - حضر تشييعها سبعون مجتهداً من جبل عامل ( تقديم الشيخ محمّد مهدي الآصفي على الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة : 95 ) ؛ وانظر حول مدارس عاملة : تاريخ جبل عامل : 231 وما بعد ( 2 ) ما بين [ ] أضفناه من أمل الآمل 15 : 1 .