أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 88

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

وشهادة الرواي تشمل بطبيعة الحال أقوال الآخرين وأفعالهم : أمّا الأقوال ، فإنّ نقلَها بشكلٍ مقبول غير مخلٍّ يتوقّف على ذاكرة الراوي وضبطه ومدى أخذه بعين الاعتبار أنّه سيروي في يومٍ من الأيّام ما يسمعه ، فإنّ المؤرّخ الذي يسمع الشيء بداعي توثيقه يفوق الآخرين دقّةً في ضبط الأقوال . نعم ، إذا كان الحال كحالنا في النقل عن أشخاص ينقلون ما سمعوه ، فإنّ التعويل على تسجيلنا شهاداتهم والتدقيق في تدوينها لا يحلّ إلّا جزءاً من المشكلة ، فإنّها تبقى من جهتهم بلا حلّ مضمون . أمّا الأفعال ، فالمشكلة فيها تزداد صعوبةً ، لأنّ للحدس دوراً مهمّاً في فهمها وتقييمها قبل حفظها ثمّ الشهادة عليها ، وغالباً ما تطرأ هنا المشكلات التي تحدّثنا عنها سابقاً . نقصان الصورة المرسومة بواسطة التاريخ الكتبي لقد كنتُ أمتلك نظرة معيّنة عن الواقع المعاصر قبل الدخول إلى ميدان البحث التفصيلي ، وكم غيّر التنقيب والبحث من قناعاتي وتصوّراتي التاريخيّة ، وكدت أركن إلى مقولة سمعتها من بعض المؤرّخين ، وهي « أنّ التاريخ هو التاريخ الشفهي لا الكتبي » « 1 » ، وربّما وجدتُ أنّ الواقع لا يُمكن الوصول إليه إلّا من خلال التنقيب في صدور الرجال ، ولا يُمكن الوصول إليه عبر الاكتفاء بقراءة ما يُكتب . والحقيقة أنّني لم أجد ما يدعوني إلى الاطمئنان الكافي والركون إلى الصورة المرسومة لدينا حول كثيرٍ من لوحات الماضي بعد أن أيقنتُ ميدانيّاً أنّ التحقيق قد يغيّر انطباعات قائمة ومتداولة ، كما لم أجد ما يدعوني إلى القطع بأنّ مؤرّخينا المتقدّمين مختلفون عن المعاصرين في جريهم على الاكتفاء بتعويم جانب معيّن من الواقع ، دون أن ادّعي إغفالهم الجانب الآخر بشكل كامل . . محاكاة الماضي من خلال معايشات الحاضر خلاصة هذا الانطباع أنّني أكاد أطمئنّ إلى أنّ تكوين انطباعات تاريخيّة عن الماضي أكثر ملامسةً للواقع إنّما يتأتّى من خلال محاولة قراءة الماضي عبر نقل الحاضر إليه ، وهو ما قد نعبّر عنه بلسانٍ ( آخوندي ) ب - « النزعة القهقرائيّة في دراسة التاريخ » ، وهو ما عبّر عنه ابن خلدون حيث تحدّث في مقدّمته عن قياس « الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب » « 2 » . واللجوء إلى هذه الوسيلة في تكوين الانطباعات التاريخيّة أمرٌ مبرّرٌ جدّاً ، وطريقة ذلك هي أن نعي حاضرنا بشكلٍ كافٍ ، مع الاهتمام بشكل خاص بالعناصر والخصائص المشتركة في الطبع

--> ( 1 ) لا يُشكل على ذلك بأنّ الشفهي بعد تدوينه سيصبح كتبيّاً ، فلا يبقى معنى لهذه المقولة ؛ فإنّ المراد هو أنّ الشاهد إذا أراد بنفسه تدوين التاريخ أهمل الكثير ممّا يعرفه ، وإذا تحدّث وعرف أنّ ما سيقوله لن يكتب نقل الكثير ممّا كان سيهمله ، ولذلك غالباً ما يكون ما يُدوّن من التاريخ الشفاهي مستخرجاً استحياءً ( 2 ) تاريخ ابن خلدون ، القسم الأول من المقدمة : في فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه . .