أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
مقدمة 8
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
نفسيٍّ قد يلجئه إلى التقيّد بقناعاته في مجالٍ من المجالات ، لكي لا يُساهم في جعل عطاءاته أحكاماً ثابتة ، مكرّساً بذلك الروح ( الاستصحابيّة ) التي دفع السيّد الصدر استقراره فحياته ثمناً لإزهاقها ، فإنّ « تعظيم الكبراء وتقليد الأسلاف والأنس بما لا يعرف الإنسان غيره يحتاج إلى علاج شديد ، وقد قال الخليل بن أحمد العروضي ( ره ) : ( الإنسان لا يعرف خطأ معلّمه حتّى يجالس غيره ) ، فالعاقل يكون غرضه الوصول إلى الحق من طريقه ، والظفر به من وجهه وتحقيقه ، ولا يكون غرضه نصرة الرجال ؛ فإنّ الذين ينحون هذا النحو قد خسروا ما ربحه المقلّد من الراحة والدعة ، ولم يسلموا من هجنة التقليد وفقد الثقة بهم ، فهم لذلك أسوء حالًا من المصرّح بالتقليد . وبئست الحال حال من أهمل دينه وشغل معظم دهره في نصرة غيره لا في طلب الحق ومعرفته . ولا ينبغي لمن استدرك على من سلف وسبق إلى بعض الأشياء أن يرى لنفسه الفضل عليهم ؛ لأنّهم إنّما زلّوا حيث زلّوا لأجل أنّهم كدّوا أفكارهم وشغلوا زمانهم في غيره ، ثمّ صاروا إلى الشيء الذي زلّوا فيه بقلوب قد كلّت ، ونفوس قد سئمت ، وأوقات ضيّقة ، ومن يأت بعدهم فقد استفاد منهم ما استخرجوه ووقف على ما أظهروه من غير كدورة كلفة ، وحصلت له بذلك رياضة واكتسب قوّة ، فليس يعجب إذا صار إلى حيث زلّ فيه من تقدّم ، وهو من موفور القوى [ و ] متّسع الزمان لم يلحقه ملل ولا خامره ضجر أن يلحظ ما لم يلحظوه ، ويتأمّل ما لم يتأمّلوه ، ولذلك زاد المتأخّرون على المتقدّمين ، ولهذا كثرت العلوم بكثرة الرجال واتصال الزمان وامتداد الآجال ، فربّما لم يشبع القول في المسألة على ما أورده المتأخّر ، وإن كان بحمد الله بهم يقتدي ، وعلى أمثلتهم يحتذي » « 1 » . وقبل أن أختم ، أرى من الجفاء أن لا أشرك في الإهداء روح الإمام الخميني ( ره ) الذي له علينا فضلٌ لا يقدّر ، فرحمة الله تعالى عليه من إمام لم توحشه وحدته . وفي الختام أسأل المولى تبارك وتعالى أن لا يحرمني وافر رحمته ، وأن يتجاوز بها عن سيّئاتي ، ويكتب لي أعمالي في ميزان الصلاح ، ويمنّ عليّ بشفاعة سيّد الورى محمّد ( ص ) وأهل بيته الطيّبين الطاهرين ( عليهم السلام ) . وما توفيقي إلّا بالله ، عليه توكّلتُ ، وإليه أنيب ، وهو عليمٌ بذات الصدور . الثالث من شعبان 1426 ه - ( 8 / 9 / 2005 م ) ولادة سيّد الشهداء الإمام الحسين ( ع ) * * *
--> ( 1 ) ابن إدريس الحلّي ( ت : 598 ه - ) في : السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى 651 : 3 - 653 .