أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
مقدمة 59
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
يقول الشيخ بزرگ الطهراني ( ره ) في ترجمة الشيخ رضا الهمداني ( ره ) : « . . وقد أصرّ علماء عصره على الطعن بالحجّة الجليل الشيخ هادي الطهراني حسداً لمكانته ، إلّا المترجم له . . » « 1 » . كما تعرّض لنكبته السيّد محسن الأمين ( ره ) في ترجمة الشيخ الهمداني ( ره ) أيضاً ، حيث يقول : « كان في عصره رجل في النجف اسمه الشيخ هادي الطهراني ، مشهور بالفضل ، له حلقة درس كبيرة ومؤلّفات مطبوعة ، يقال : إنّه كان يطيل لسانه على أكابر العلماء . ولعلّه لما كان يعتقده في نفسه من الفضل والتفوّق . وقد شاهدناه في النجف وكثر الكلام في حقّه من كثير من أكابر العلماء ، حتّى وصل إلى حد التكفير ، فانحلّ أمره وتناقص عدد حلقة درسه إلى ما يقرب من عدد الأصابع أو يزيد قليلًا ، وكان ذلك قبل ورودنا النجف ، فوردناها والحال على ذلك . وفي بعض أوقات وجودنا فيها ثارت ثائرة جماعة من العلماء عليه ، فأصدروا فتاواهم بتكفيره ، وأرسلوا إلى شيخنا المترجم ليشاركهم في ذلك فأبى وقال : التكفير أمرٌ عظيم لا أقدم عليه بمثل هذه النسب ، وصارت يومئذٍ مسألة الشيخ هادي حديث الناس من العلماء والطلّاب وغيرهم في مجالسهم ومحافلهم » « 2 » . وأضاف في موضع آخر : « تصدّى للتدريس ، فتهافتت عليه الطلّاب وأعجبوا بحسن أسلوبه في الإلقاء والإملاء ، وبجودة تحقيقه في ذلك وحسن بيانه ، وطار ذكره وكثرت تلاميذه وانتشروا في الأقطار ، وكانوا مغالين به يفضّلونه على معظم العلماء من المعاصرين والقدماء . وكان لهذه المزايا ، ولما طبع عليه من علو الفطرة لا يعجبه كثيرٌ من العلماء ، وربّما أوقع في بعضهم ، وجهّلهم ، وفنّد آراءهم ، وصرّح بمؤاخذتهم ، فاغتنم هذا فيه بعض معاصريه أو مفاخريه ، فحمل بإغراء أتباعه على إعلان تكفيره ، فكان لهذه الواقعة دوي في المحافل الدينية وغيرها في العراق وغيره . وتحزّب الناس حزبين ، وانبرى لنصرته وبراءته فريق من العلماء ، منهم الشيخ محمّد حسين الكاظمي والملّا محمّد الإيرواني وغيرهما ، فهان أمره ، ولولا ذلك لانتظر الإيقاع به . رأيناه في النجف والطلّاب والعلماء تتحامى مخالطته خوفاً على أنفسهم من ألسنة الناس ، ولا يحضر درسه إلّا نفر قليل متناهون في الإخلاص له ، لا يبلغون الخمسة عشر . وكان يحضر درسه أوّلًا فضلاء العرب والفرس ، فلما جرى عليه ما جرى تحامى الناس حضور درسه خوفاً من الناس ، مع رغبتهم في حضوره ، وكانت حادثته هذه في عصر الميرزا الشيرازي والميرزا في سامراء ، فلم ينبس فيها ببنت شفة ، إلّا انه قطع السؤال عنه . وكانت هذه الحادثة قبل مجيئنا إلى النجف ، ودخلناها وحالته كما ذكرنا من تحامي الناس درسه سوى خاصّته ، وكان يدرّس نهاراً في بيته وليلًا على سطح الكيشوانيّة القبليّة الشرقيّة ، ثمّ جدّد أمر الهياج عليه ونحن بالنجف من أكثر العلماء إلّا شيخنا الآغا رضا الهمداني ؛ فلم يدخل في ذلك ولم يرض أن يجري ذكر هذا الأمر في مجلسه بحرف واحد ، وإلّا شيخنا الشيخ محمّد طه نجف . وكان كثيرٌ من الناس يغالي في علمه وفضله ، لكنّ الذي سمعته من السيّد علي ابن عمّنا السيّد محمود - وكان ممّن حضر مجلس درسه - أنّه ليس بتلك المنزلة من المغالاة ، وإن كان في مرتبة سامية من الفضل ، وأنّ الناس في حقّه بين الإفراط والتفريط . ولكن من المحقّق أنّه كان يطيل لسانه على العلماء ، ويقال إنّه صنّف حاشية على رسائل الأنصاري سمّاها
--> ( 1 ) نقباء البشر في القرن الرابع عشر 777 : 2 ( 2 ) انظر : أعيان الشيعة ( ط . ق ) 20 : 7 .