أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 50

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

أ - فهم إمّا يغمضون أعينهم عن الواقع وينظرون إلى كائناته بنظّارات ميتافيزيقيّة ، ليقنعوا أنفسهم بأنّه واقع مثالي . . وهذا ممّا ينعكس سلباً على وعيهم بدرجة كبيرة ، لينعكس ذلك بدوره سلباً ولمرّة أخرى على الواقع نفسه . وهو الحال عند كثيرٍ من الناس وطلبة العلوم الدينيّة . ب - وإمّا يتسرّعون ويتساهلون في الطعن بدين الناس ، لتخرج مسألة التبصّر والنقد عن إطارها الرسالي والتربوي - الذي هو غايتها الأصيلة - إلى إطار التشهير المحض . وهنا بالذات كلامٌ للسيّد الصدر ( ره ) يحاكي المسألة من بعيد ، حيث يقول : « وأنا أرى من فضول القول أن أتحدّث عن صحّة التنظيم وضروراته بالنسبة إلى الحوزة لعلاقتها بمستقبلها ، فإنّ هذا أعتبره أمراً ضروريّاً لا ينبغي تركه ، كما أنّي أعتبر أنّ المستوى الفكري الذي أعيشه معكم قد تعدّى مرحلة النزاع حول صحّة ذلك ، وإنّما أتيت بموضوع النظام لكي أنبّه على نقطة مهمّة ، وهذه النقطة هي أنّ دعاة التنظيم في الحوزة وأنصار هذه الفكرة لا ينبغي لهم الغلوّ في التحمّس لهذه الفكرة حتّى تصبح هذه الفكرة عندهم غاية ووسيلة تخرج الفكرة التنظيميّة عن حدودها الصالحة ، وتعتبرها الحدّ النهائي ، وهذا هو موضع الخطر » « 1 » . ج - وأكاد أرى تغييباً كبيراً لمنهجٍ ثالثٍ أحقّ بالتبنّي ، وتتلخّص معالمه في ضرورة وعي الواقع على ما هو عليه ، والإقرار قولًا وعملًا بأنّ العصمة لأهلها ، والاعتراف بأنّ علماءنا ليسوا معصومين ، وبأنّهم ليسوا طينةً واحدة ، وبأنّ مسيرتهم حافلة بالاختلاف هنا وهناك ، لكن دون أن يستلزم ذلك الطعن بدين أحد منهم ، ومحاولة إيجاد العذر الشرعي حتى مع عدم المصادقة على صحّة العمل بنظر أحدنا ، ثمّ تمييز حسنات هذا الواقع عن قبيحة ، وتبنّي الحق وتولّيه ، ورفض الباطل والتبرّئ منه ، والعمل قدر المستطاع على رفع ما يُمكن الوقوف عليه من عيوب . وكما ألمحنا إليه سابقاً ، فإنّ غياب الإمامة المعصومة القائمة بالفعل يجعل لافتراض اجتماع الخطأ مع براءة الذمّة حيّزاً واسعاً ، إضافةً إلى ما أمرنا به في الأصل من التريّث والحمل على الأحسن قدر المستطاع . . الأمر الذي يستوجب الأناة في إصدار الأحكام ، وهو - أي إصدار الأحكام - أمرٌ لشدّ ما ابتعدت عنه . ولا بأس هنا بالإحالة إلى نصٍّ يسجّل فيه الإمام الخميني ( ره ) شيئاً ممّا يتعلّق بما نحن فيه ؛ فهذا الرجل الذي شدّد على عدم التشاغل بالتناحرات الداخليّة وتشهير بعضنا البعض « 2 » ، حمل في الوقت نفسه وبشكلٍ واضحٍ وعنيف على تيّار سائدٍ في الحوزة العلميّة « 3 » ، وشدّد على ضرورة كتابة التاريخ كما وقع ودون كتمان الحقائق ، ولو أدّى ذلك إلى تضرّر بعض الناس « 4 » ، وهو ما يُفهم من كلام الإمام الخامنئي المتقدّم في دعوته إلى إفهامهم بأنّ هذا المريض مريضٌ حقّاً .

--> ( 1 ) من محاضرة للسيّد الصدر ( رحمةالله ) سنة 1385 ه - تنشر قريباً ضمن كتاب ( ومضات ) عن المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ( قدس سره ) ( 2 ) الجهاد الأكبر : 30 - 40 ( 3 ) وسيأتيك في هذه المقدّمة بعض كلماته حول ذلك ( 4 ) نهضت امام خمينى ( فارسي ) ، ط 15 ، 11 : 1 - 12 . وقد تقدّم النصّ في مطلع الكتاب ، ولعلّه يتكرّر لاحقاً .