أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

369

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

لا يمكن العمل في سبيل تلك الأسس مطلقاً ، كما كنت أكرّر ذلك في النجف مراراً ، ومنشأ التوقّف وجهان أو وجوه : أهمّها أنّي لم أستطع أن أجيب على الاعتراض الذي اعترضته أنت على الاستدلال بالآية وإن كنتُ أجبت عنه في حينه ، ولكنّ الجواب يبدو لي خطأ . . . » . « وإذا تمّ الإشكال فإنّ الموقف الشرعي لنا سوف يتغيّر بصورة أساسيّة ، وإنّ لحظات تمرُّ عليّ في هذه الأثناء وأنا أشعر بمدى ضرورة ظهور الفرج وقيام المهدي المنتظر ( صلوات الله عليه ) ، ولا زلت أتوسّل إلى الله تعالى أن يعرّفني على حقيقة الموضوع ويوفّقني إلى حلّ الإشكال ، ولكنّي من جهة أخرى أخشى وأخاف كلّ الخوف من أن تكون رغبتي النفسيّة في دفع الإشكال وتصحيح مدّعياتنا الأوليّة هي التي تدفعني إلى محاولة ذلك . وعلى كلّ حال فإنّ حالتي النفسيّة لأجل هذا مضطربةٌ وقلقةٌ غاية القلق ، وما الاعتصام إلّا بالله ، وإنّي أكتب هذه المسألة إليك أيّها الحبيب المفدّى لمشاركتي التأمّل فيها وتعيين موقفنا منها بصورة أساسيّة . . » « 1 » . وكان السيّد الصدر يذهب إلى نظريّة ( الشورى ) في بداية التحرّك الإسلامي استناداً إلى قوله تعالى : وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ « 2 » . إلّا أنّه عدل عن هذه النظريّة بعد ذلك وكان يورد عليها مجموعةً من الملاحظات ، منها الملاحظتان التاليتان : الأولى : أنّ الآية لو كان لها الدلالة على جعل الولاية للشورى ، فهي لا تدلُّ على الولاية أكثر من الدليل ( الأصل ) الذي يدلُّ على مسؤوليّة الإنسان عن نفسه وعمله ، نعم تضيف إليه أمراً آخر وهو أن يتشاور المسلمون في شؤونهم بدل أن يتّخذوا القرار بشكل فردي ، لأنّ الآية ليس فيها دلالة على أنّ الولاية سوف تكون للأكثريّة من المتشاورين ، بل إنّ المسلمين الذين يكون كلُّ واحدٍ منهم مسؤولًا عن نفسه يجب عليهم أو يحسن بهم أن يتشاوروا في أمورهم . فقد يكون المراد منها الحثّ على التشاور ، وإنّما يكون الإلزام بالقرار عندما يكون إجماعيّاً ، مع ملاحظة أنّ الآية لا تتحدّث عن خصوص التشاور في ( الأمر ) ، والذي هو الولاية ، الذي يعني جميع المسلمين بل تتحدّث عن جميع أمور المسلمين . وبإطلاقها يمكن شمول ( الأمر ) للأمر الذي يهمّ جميع المسلمين . وبفهم الآية هذا لا يمكن أن نلتزم رأي الأكثريّة بإدّعاء أنّ تحصيل الإجماع على القرار لمّا كان أمراً غير ممكن التحقّق عادة ، فإذا أردنا التقيّد بالإجماع ، فإنّ ذلك يعني أن يصبح مضمون الآية لغواً ، لعدم تحقّق مصداق له في الخارج ، لأنّنا بهذا الفهم يمكن أن نحمل الآية على الأمور الأخرى غير الولاية ، من مختلف قضايا وأشكال أمور الجماعات الإسلاميّة ودوائر التشاور . ومن المعقول أن يكون القرار إجماعيّاً في كثير من هذه الحالات « 3 » ، وإن كان في حالة معيّنة لا يمكن أن يكون إجماعيّاً ، وهي حالة انتخاب الولي . ولكنّ ذلك لا يضرُّ بفهم الآية لأنّه لا يؤدّي إلى تخصيص الأكثر ، أو أن لا يكون له مصداق .

--> ( 1 ) نظريّة العمل السياسي عند الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر : 279 . ( 2 ) الشورى : 38 ( 3 ) يبدو من هامش السيّد محمّد باقر الحكيم ( الحكم الإسلامي بين النظريّة والتطبيق : 77 ) أنّ هذا هو الإشكال الذي وجّهه السيّد الحكيم إلى السيّد الصدر والوارد في الرسالة المتقدّمة .