أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

346

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

متوازن ، فليس الفرد هو القاعدة المركزيّة في التشريع والحكم وليس الكائن الاجتماعي الكبير هو الشيء الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرّع لحسابه . أمّا القسم الثاني للكتاب وموضوعه نظريّة المعروفة ، فإنّه يتحدّث عن المصدر الأساسي للمعرفة ويتكلّم في هذا الباب عن نظريّة الاستذكار الأفلاطونيّة والنظريّة العقليّة والنظريّة الحسيّة ونظريّة الانتزاع ، حتّى إذا تحدّث عن الخيوط الأوليّة التي نسجت منها الأحكام والعلوم ، والمبدأ الذي تنتهي إليه المعارف البشريّة في التعليل ، ويعتبر مقياساً أوّليّاً عامّاً لتمييز الحقيقة عن غيرها ، تناول بالدرس المذهب العقلي الذي ترتكز عليه الفلسفة الإسلاميّة والمذهب التجريبي السائد في المدرسة الماركسيّة . وقد فنّد هذا الأخير في تفصيل وقوّة حجّة ، غير منكر في الحين ذاته فضل التجربة على الإنسانيّة ومدى خدمتها في ميادين العلم . ولكن ما حرص على توكيده وإثباته هو كونها ليست المقياس الأوّل والمنبع الأساسي للأفكار والمعارف الإنسانيّة ، بل المقياس الأوّل والمنبع الأساسي هو المعلومات الأوليّة العقليّة التي تكتسب على ضوئها جميع المعلومات والحقائق الأخرى ، حتّى أنّ التجربة ذاتها محتاجة إلى ذلك المقياس العقلي . ثمّ تناول قيمة المعرفة ومدى إمكان كشفها عن الحقيقة ، فاستعرض آراء اليونان وفلسفة ديكارت اليقينيّة وفلسفة جون لوك الممثّل الأساسي للنظرية الحسيّة والتجريبيّة ، ثم تحدّث عن دور المثاليّة في نظريّة المعرفة الإنسانيّة ، فتناول بالدرس الاتّجاهات المهمّة للمثاليّة الفلسفيّة والمثاليّة الفيزيائيّة والمثاليّة الفيزيولوجيّة . ثمّ تطرّق إلى فلسفة الشك الحديثة ومذهب النسبيّة وحدودها في العلوم البشريّة ، وعن اتّجاهيها الرئيسيّين ، أي نسبيّة ( كانت ) والنسبيّة الذاتيّة التي مهّدت للنسبيّة التطوريّة التي تنادي بها الديالكتيكيّة . وقد أفاض المؤلّف في نقضها مبرهناً على أنّ الحقيقة مطلقة وغير متطوّرة ( وإن كان الواقع متطوّراً ومتحرّكاً على الدوام ) « 1 » ، كما برهن على أنّ الحقيقة تتعارض تعارضاً مطلقاً مع الخطأ ، وعلى أنّ إجراء الديالكتيك الماركسي على الحقيقة والمعرفة يحتّم علينا الشكَّ المطلق في كلّ حقيقة ما دامت في تغيّر وتحرّك مستمر ، ( بل يحكم على نفسه بالإعدام والتغيّر أيضاً لأنّه بذاته مدَّ تلك الحقائق التي يجب أن تتغيّر بحكم منطقه التطوري الخاص ) « 2 » . أمّا القسم الثالث من الكتاب ، فقد خصّصه المؤلّف للمفهوم الفلسفي للعالم ، فاستعرض في تفصيل وعمق في مدارك الماركسيّة وألوان استدلالها على تطوّر الحقيقة والمعرفة ، وأسهب في بيان مغالطاتها الفلسفيّة وعلى الأخصّ ما حاولته من اعتبار العلوم الطبيعيّة في تطوّرها الرائع على مرّ الزمن ، ونشاطها المتضاعف وقفزاتها الجبّارة مصداقاً للحركة التطوريّة في الحقائق والمعارف ، مع أنّ تطوّر العلوم في تاريخها الطويل لا صلة له بتطوّر الحقيقة والمعرفة بمعناه الفلسفي الذي تحاوله الماركسيّة ، ( فالعلوم تتطوّر لا بمعنى أنّ حقائقها تنمو وتتكامل ، بل بمعنى أنّ حقائقها تزداد وتتكاثر وأخطاءها تقلّ وتتقلّص . . . ) « 3 » . وامتاز هذا القسم بما أورد المؤلّف من تصحيح لأخطاء شائعة ، مثل محاولة اعتبار الصراع بين الإلهيّة والماديّة مظهراً من مظاهر التعارض بين المثاليّة والواقعيّة ، ( فالواقعيّة ليست وقفاً على المفهوم المادي ، كما أنّ المثاليّة ليست الشيء الوحيد الذي يعارض المفهوم المادي على الصعيد الفلسفي ، بل يوجد مفهوم آخر

--> ( 1 ) انظر المعنى في : فلسفتنا ، ط 186 : 1 ( 2 ) انظر المعنى في المصدر نفسه ( 3 ) انظر المعنى في المصدر نفسه .