أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

326

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

للسياسة في ذهن عامّة الناس من الأمّة ، وشجّع الاستعمار على تركيزه وتقويته ، فإنّ السياسة الاستعماريّة لمّا كانت حاشدة بالمكر والخديعة وزاخرة بالختل والأكاذيب اتّخذت لها إطاراً مشوّهاً ، فصار كثيرٌ من المسلمين لا يفهمون من السياسة إلّا الالتواء واغتصاب الحقوق وانتهاك حرمات الأمّة وكرامتها . ولمّا تركّز هذا المفهوم في أذهانهم انبثقت عنه فكرة التباين بين السياسة والإسلام ، وصاروا ينظرون إلى السياسة كأنّها أبعد الأشياء عن واقع الإسلام وجوهره ، لأنّ الإسلام دينٌ طاهر من تلك الأدناس التي شاعت في الجوّ السياسي الموبوء على يد الاستعمار ، ومن الطبيعي أن يكون مفهوم السياسة من أبعد المفاهيم عن الإسلام إذا كان معنى السياسة هو التلاعب والاحتيال . وقد ارتاح المستعمرون كلَّ الارتياح لهذه المباينة التي قامت في فكر العامّة من الأمّة بين حقيقة الإسلام وواقع السياسة ، وحاولوا أن يزيدوا في هذه الشقّة بينهما في الأذهان لئلّا يحاول الإسلام بعد ذلك أن ينهض بالمسلمين على يد قادته المخلصين لمحاربة الاستعمار ، ومقاومة طغيانه السياسي والوقوف في وجهه ، فركّزوا تلك المباينة وطوّروها وغذّوها على شكل يحقّق لهم مصالحهم ، ويحول دون نهضة الإسلام وانتفاضته أو يقف عائقاً في الطريق على أقلّ تقدير . ومفهوم المباينة هذا الذي تبنّاه الاستعمار ، وفصل به الإسلام عن السياسة في الأذهان ، هو الذي كان يعترض طريق علماء الإسلام ويعيقهم عن تسجيل نجاح حاسم في معارضاتهم الحادّة لأقطاب الاستعمار والطغيان بعد أن كانوا يخوضون الميدان قبل أن يخلق الاستعمار هذا المفهوم في الذهن العام ويقودون الثورات التحريريّة على كلّ غزو استعماري أو سياسة استعماريّة . إنّ السياسة بمعناها الصحيح - لا بمعناها الذي شاهدنا من المستعمرين - هي رعاية شؤون الأمّة وعلاقاتها الداخليّة والخارجيّة ، فهي التي تحقّق للأمّة مصالحها وتحفظ لها كيانها الاجتماعي في شتّى شعب الحياة ونواحيها ، وهي التي تحدّد لها علاقاتها وصلاتها ، وترسم عمليّاً حياتها ومنهاجها في الحياة . هذه هي السياسة بمعناها الاصطلاحي الصحيح ، فإذا تبيّناها في واقعها المصفّى وجوهرها البنّاء ووضح لنا كلّ الوضوح مدى الغلط والاشتباه في تلك العقيدة السائدة التي تجعل السياسة نقطة مقابلة للإسلام ، فإنّ السياسة إذا كانت في مفهومها الكامل تعني رعاية شؤون الأمّة وحماية مصالحها فهي من صميم الإسلام ، وهل اهتمّ الإسلام بشيء كما اهتمّ برعاية شؤون الأمّة وتنظيم علاقاتها وإجراء الأنظمة الاقتصاديّة والاجتماعيّة العادلة عليها . فالإسلام يباين السياسة ولكن لا تلك السياسة الصحيحة النزيهة التي يعبّر عنها المفهوم الاصطلاحي للّفظ ، بل إنّما يباين سياسة الاستهتار بالكرامات الإنسانيّة واستلاب حقوقها والتآمر على سلامتها . والإسلام يتبنّى القضيّة السياسيّة ، ولكن لا بالمعنى الاستعماري للسياسة ، بل بالمعنى الذي كان يقوم به رسول الله ( ص ) ، فقد كان النبي ( ص ) الممثّل للإسلام في كلّ مظاهر حياته المقدّسة ونشاطه المبارك يتولّى باسم الإسلام رعاية شؤون الأمّة وقيادتها الاجتماعيّة وسياسة أمورها وتنظيم حياتها على ضوء شريعته الإلهيّة العادلة . وليست القضيّة السياسيّة للإسلام تعني أشخاصاً وإنّما تعني مبدأً خاصّاً وهو مبدأ الإسلام الذي يفوق جميع المبادئ والاتّجاهات ، فعلى كلّ مسلم كامل أن يكون ذا وعي سياسي صحيح بمعناه الذي يريده الإسلام ، وأن يركّز هذا الوعي على القاعدة الإسلاميّة ، فهو بطبيعة إسلامه لا بدّ أن يجعل قضيّة الأمّة وشؤونها هي قضيّته الأولى في حياته التي لا بدّ أن يساهم فيها بكلّ ما يملك من حول وطول لقوله : « كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته » « 1 » . ولا بدّ أن ينظر إلى تلك القضيّة بالمنظار الإسلامي الخالص ،

--> ( 1 ) بحار الأنوار 38 : 75 .