أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
322
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
دراستهم لا يعطيهم كلمة عن هذا النظام الاقتصادي ، ولا يفهّمهم أنّه نظام مستقلٌّ بنفسه قائمٌ بذاته ، حافلٌ بمحاسن الأنظمة الاقتصاديّة كلّها ، وسالمٌ عن مساوئها ونقاط الضعف فيها . وإنّما لقي الإسلام هذا الإهمال الكامل تنفيذاً لما أشرنا إليه مراراً من الخطّ السياسي العريض للاستعمار تجاه الإسلام والمسلمين . فقد شاء الأسياد المزعومون أن يفهّموا المسلمين أنّهم فقراء إلى أفكار أروپا وأنظمتها وطرائقها في الاجتماع والحياة وأنّهم لا يملكون تفكيراً اجتماعيّاً خاصّاً ولا نظاماً ذا طابع مستقل ، فألغوا من القاموس الفكري الذي حاولوا أن يضعوه لنا اسم الإسلام وأنظمته ليقولوا لنا في غطرسة وتعالٍ : نحن الأقوياء المفكّرون ، وأنتم الضعفاء المقلّدون ، فسيروا في ركبنا لنشقّ لكم الطريق ، ونعبّد لكم السبيل ، ونذلّل أمامكم الصعاب . شاءوا أن يجوّعونا فكريّاً وماديّاً ، فحرمونا من الغذاء الفكري والمادي الذي يقدّمه الإسلام للمسلمين . وإلّا فأين الجوع الفكري إلى مبادئ الغرب وأنظمة الأجانب إذا اهتدى المسلمون إلى الكنز ، ووضعوا أيديهم على مفتاح السرّ للثروة الفكريّة الهابطة من السماء ؟ وأين الجوع المادي ونظام الإسلام يوازن بين أفراد الأمّة ويضع لها وحدة تشريعيّة لاقتصاده ، إذا طبّقت بمجموعها فهي كفيلة بالقضاء على سوء التوزيع ، وعلى اختلال التوازن ، وعلى الحاجة والفقر ، وعلى التضخّم المالي الفظيع ، وعلى كلّ حريّة فرديّة تضرّ بالأمّة وعصبها الاجتماعي ، ولا يتّسع هذا البيان لتفصيل تلك الوحدة التشريعيّة للاقتصاد الإسلامي بكلّ خطوطها . وإنّما نريد التنبيه على أنّ ضمان الإسلام لحياة المعوزين من أفراد الأمّة ليس مرتكزاً على أساس إحسان الأغنياء وأريحيتهم ومدى تأثير النصائح والمواعظ فيهم كما يتوهّم بعض الناس ، بل هو يرتكز على حقوق ثابتة في صميم النظام الإسلامي ، فإنّ الإسلام يجعل من الدولة وسيلة لتهيئة فرص العمل ومجال الحياة المنتجة لكلّ فرد من الأمّة ، فإذا لم يكن في طاقة الشخص ممارسة نشاط عملي يهيّئ له الحياة الحرّة الكاملة ولم يكن له معيل ، فالإسلام يموّنه بحياة معيشيّة كاملة أو يكمّل النقص في مستواه المعيشي من الفرائض الماليّة التي يجعلها في أموال الأمّة ، ويحاسبها على أدائها ، ولا يعتبرها تفضّلًا ولا امتناناً منهم على الفقراء ، وإنّما هي فرائض لازمة ، لا كرامة ولا شأن لهم حين يطبّق الإسلام إذا لم يؤدّوها . بل يذهب الإسلام أكثر من هذا ، فيرى أنّ مسألة الفقر والغنى تتّصل بمسألة الإسلام والكفر بالذات ، وأنّ الفقر كما يشكّل خطراً على الوجود الاجتماعي للأمّة كذلك يهدّد بالخطر كيانها الروحي وقيمها الدينيّة ، فقد قال أحد رجال الإسلام من الصحابة : « إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك » « 1 » . فانظر كيف ينظر الإسلام إلى الفقر ، وكيف يراه شبح السقوط ونذير التدهور في كلّ المجالات . ومن الطبيعي حينئذٍ أن يعمل على إبادته من المجتمع . وقد جاء الإسلام بذلك التصميم الاقتصادي الجبّار في عصر لم تبلغ فيه المفاهيم الاجتماعيّة للاقتصاد شيئاً من الرشد والنضج ، فكان هو السبّاق بتلك الضمانات الاجتماعيّة على مبدأ الضمان الاجتماعي الذي أخذت الإنسانيّة تحلم به بعد ذلك بمئات السنين . فما أروع الإسلام حين يقدّم لنا هذه الضمانات مقرّراً على أساس إيمانه العميق بها « ما جاع فقير إلّا
--> ( 1 ) لم على هذا التعبير ، وما عثرنا عليه هو ما نقل عن دغفل قال : قال المال أنا أسكن العراق فقال [ القدر / الغدر ] أنا أسكن معك ، وقالت الطاعة أنا أسكن معك الشام قال الجفاء أنا أسكن معك ، قال العيش أنا أسكن مصر قال الموت أنا أسكن معك ، وقالت المروءة أنا أسكن الحجاز فقال الفقر وأنا أسكن معك ( تاريخ دمشق 322 : 1 ؛ مختصر تاريخ دمشق 30 : 1 ، 34 ) .