أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
318
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
القرآن مهما كان شكلها ومهما كان مصدرها ، لا نريد من الأمّة أن تستغني عن المدنيّة الحديثة وعلومها كما يدّعي بعض الناس ويزعم أنّ إعادة الحضارة الإسلاميّة معناها إعادة تلك الحياة البدائيّة التي كان يحياها المسلمون في مدينة الرسول ورفض سائر ما جاءت به المدنيّات الحديثة من وسائل الحياة ومرفّهاتها . وهذا الزعم افتراءٌ على الإسلام ، فالحضارةُ غيرُ المدنيّة ، ذلك أنّ الحضارة هي مفاهيم الأمّة عن الحياة ، والمدنيّة هي أساليب الحياة التي تتطوّر بتطوّر العلوم والاكتشافات ، والحضارة الإسلاميّة تقوم على أساس ربط الحياة الإنسانيّة بمبدعٍ حكيمٍ خلق تلك الحياة ، ووضع لها نظامها الأفضل وتقرّر أنّ سعادة هذه الحياة إنّما تحصل بتطبيق النظام الإلهي عليها ، وأنّ الهدف الذي يجب أن يعين في الحياة هو رضا الله تعالى الذي يتحقّق بإقامة مجتمع عادل على وفق نظامه ، وعلى العكس من ذلك كلّه كلُّ حضارة غير حضارة الإسلام التي جاء بها القرآن ، فإنّ الحضارات الأخرى تقيم الحياة على أساس فصلها عن الدين ، وتقصي الدين عن موضعه من القاعدة الاجتماعيّة للحياة ، وتعرّف السعادة بأنّها المنفعة واللذّة وتجعل الهدف لكلّ إنسان الحصول على أكبر نصيب من هذه المنفعة واللذّة . ومن أجل ذلك كان من الطبيعي ما وقع في الحضارة الغربيّة وغيرها من إقصاء الأخلاق والقيم عن قيادة الحياة العامّة وما منيت به الإنسانيّة من تكالب الأقوياء على الضعفاء ، وتنافسهم في الاستعمار واستعباد الشعوب لأنّ المقياس هو المنفعة مهما كانت هذه المنفعة قاسية في حساب الضمير ومحرّمة في حكم الله المقدّر الحكيم . وأمّا مظاهر المدنيّة المتطوّرة بتطوّر الصناعات والعلوم ، وما يستجدُّ من مختبرات وآلات صناعيّة وطبيّة ، ووسائل للنقل وأساليب العمران وغير ذلك من شؤون الحياة في سائر المجالات والجهات ، فهي عالميّة تنسجم مع كلّ حضارة ومبدأ ، فالحضارة الإسلاميّة إنّما تتنافى مع الحضارات الأخرى ولا تتنافى مع أشكال المدنيّة التي يهيّئها العلم ، على أن تحدّد بالتحديد الذي يتّفق مع مفاهيم الحضارة الإسلاميّة . وإذن فالعلوم ونتائجها ممّا يستفيد منها كلّ مجتمع مهما كان مبدؤه ، ولا يعني تطبيق الإسلام التقليل من شأنها ، بل هو الدين الذي دعا إلى العلم والتأمّل في أسرار الطبيعة واكتناهها ، وإنّما يعني إقامة مجتمع إنساني خالص من الآلام وألوان الشقاء الروحيّة والماديّة ، ومنزّه عن الشره المحرّم والالتذاذ الرخيص على حساب الآخرين . إنّ الإسلام - وحده - هو الذي يضمن إقامة هذا المجتمع لأنّه المبدأ الذي وضعه الله للإنسانيّة ، وإنّ دعوتنا إلى الإسلام - وحده - لا ترضي عنه بشيء من المبادئ والحزبيّات بديلًا ، وإنّ الأمّة الإسلاميّة - بما فيها العالم العربي - لا تثوب إلى حياة مستقرّة إلّا إذا انصهرت في الإسلام الذي هو جوهر الأمّة المشرق وكيانها الروحي وتركت سائر المبادئ الأخرى التي خلقت في أجوائها والتي جاءتها من الخارج ، وعند ذلك فقط يعود المسلمون حقّاً كما أراد الله كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ « 1 » . وإلى الملتقى القريب إن شاء الله . . . جماعة العلماء في النجف الأشرف 30 جمادى الثانية 1378 » « 2 » .
--> ( 1 ) المجادلة : 32 ( 2 ) منشورات جماعة العلماء في النجف الأشرف : 37 - 43 .