أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
مقدمة 37
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
لا تنفرد في تحديد المتبنيّات التاريخيّة . وما أكثر القضايا التي نقلها الثقات وقطعنا بخطئها في هذه الدراسة ، أو عدم دقّتها على أقلّ تقدير . بل أستطيع أن أقول : إنّ تحقيق جملة من القضايا أخرج بعض الأشخاص من ميقات الوثاقة بالمعنى المطروح في البحوث الرجاليّة ، حيث ثبت لي بشكل يشارف أبواب اليقين أنّهم يلوون عنق الحقيقة مع سبق الإصرار والترصّد ، إلّا أنّني لم أسجّل هذه الانطباعات لخروجها عن مهمّة الكتاب ، ولكن بوسع القارئ الكريم أن يتتبّعها ليقف بنفسه على قيمة ما ينقله هؤلاء في مجالات أخرى . أمّا الحد الذي يحصل عنده الاطمئنان إلى صحّة الخبر فيختلف من شخصٍ إلى آخر ، ومن حالة إلى أخرى « 1 » . وعادةً ما يكون الأشخاص من ذوي الخبرات الاجتماعيّة المحدودة الذين لم يخالطوا الناس في حياتهم اليوميّة ولم يخبروا ما تقوم عليه وما يلفُّ غوامضها ممّن يحصل لديهم الاطمئنان بشكل سريع ؛ لأنّ الأمور لديهم أبسط بكثيرٍ ممّا هي عليه في الواقع . وحول هذا السجال لا بأس بإثبات نصٍّ للسيّد الصدر ( ره ) ينشر قريباً بإذن الله تعالى ، وقد جاء في محاضراته حول التأسيس للمنطق الذاتي التي ألقاها في شهر رمضان / 1384 ه - حيث قال : « إنّ هذه المسألة واضحة من خلال حياتنا الاعتياديّة . ففي القضيّة المتواترة مثلًا ، لو أنّ شخصاً سليم القلب وغير مطّلع على دواعي الكذب دخل مجتمعاً مغموراً بهذه الدواعي ، ثمّ أخبره شخصٌ واثنان وثلاثة بقضيّة معيّنة ، فقد يحصل لديه القطع من خلال إخبار هؤلاء . ولكنّه لو التفت بعد ذلك إلى أنّ خمسة أو ستّة أشخاص أخبروه بقضيّة وتبيّن له كذبهم ، فهذا الشخص ستضيق لديه دائرة اليقين ، وسيصبح العدد اللازم لحصول القطع لديه ثمانية مثلًا بعد أن كان أربعة . ثمّ لو فرضنا أنّ هذا الشخص دخل معترك الحياة وابتلي مع الناس بكثيرٍ من القضايا ، بحيث تجلّت لديه الكثير من الأمور المخفيّة ، وبان له وجود استعداد لدى أناسٍ للكذب لأتفه الأسباب ، وأنّهم قد يتّفقون على الكذب ، وبان له أنّ اتفاق عشرة أشخاص على الكذب ليس بالأمر الغريب ، فبعد هذا لن يحصل لديه القطع من خلال إخبار عشرة أشخاص ، وهكذا . . » « 2 » . عوداً إلى ما بدأناه ، فإنّنا إذا عبّرنا أحياناً ب - ( التعارض ) بين خبرين أو أكثر ، فإنّما نعني به المعنى العرفي الذي يتلاءم مع البحث التاريخي ، لا تعارض الحجّة مع الحجّة بالمعنى الأصولي للحجيّة . وعلى أيّة حال فما أثبتّه في الكتاب لا يعني أكثر من أنّي أرويه ، ولا يعني على الإطلاق أنّني آخذ به وأبني عليه ، إلّا حيث أنصُّ على ذلك . وهنا عليّ الإشارة إلى قناعتي بوجود شيءٍ من المبالغة التي اكتنفت بعض الأخبار ، وهو ما يعتري البحث التاريخي على الدوام ، وحول هذا يقول أبو علي مسكويه الرازي : « ووجدتُ هذا النمط
--> ( 1 ) راجع على سبيل المثال ما يسجّله السيّد الصدر ( رحمةالله ) تحت عنوان ( الضابط للتواتر ) من عوامل موضوعيّة وأخرى ذاتيّة في حصول التواتر ( دروس في علم الأصول ، ط . المؤتمر 153 : 2 - 154 ) ( 2 ) محاضرات في التأسيس للمنطق الذاتي ، القسم الثالث ، ينشر بإذن الله تعالى في مجلّة المنهاج ، العدد ( 43 ) .