أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

261

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

الحياة ، فإنّ على الدعوة الإسلاميّة أن تتّخذ الطابع الإصلاحي ، وقد كان الإسلام حتّى الظرف الذي انتهى بنهاية الحرب العالميّة الأولى هو القاعدة الرئيسيّة التي يبتني عليها كيان الأمّة كلّها ، وكانت العقيدة الإسلاميّة هي القاعدة الفكريّة للأمّة والقاعدة الدستوريّة ، والقاعدة للدولة والأساس العام لمختلف ألوان الأنشطة الفرديّة والجماعيّة والسياسيّة . غير أنّ اعتبار الإسلام هو القاعدة من قبل الأمّة بما فيها السلطة لم يكن يعني عدم وجود الانحراف وعدم وقوع المخالفة والتحريف والاحتيال عليها ، فقد كان يختلف مدى الثبات على هذه القاعدة باختلاف مدى وعي الأمّة للإسلام ومدى إخلاص الحكّام ، ومن الواضح أنّ ظرفاً للإسلام كهذا كان يتطلّب بسبب ظهور الضعف والخلل الكبير في كيان الأمّة والدولة قيام دعوات ذات طابع إصلاحي لا انقلابي كما قامت بالفعل عدّة دعوات إصلاحيّة استهدفت الحفاظ على القاعدة الإسلاميّة للدولة أو إصلاح الجوانب التي لا تنسجم مع هذه القاعدة . تحدّيات الواقع وأمّا حيث يفقد الإسلام مركزه من القاعدة الأساسيّة ويستبدل بغيره من القواعد المعادية أو اللاقاعدة ، فإنّ الدعوة الإسلاميّة في هذه الحالة يجب أن تكون انقلابيّة ، وهذا هو الواقع الذي تعيشه الأمّة منذ نهاية الحرب الأولى ، إذ قوّض المستعمرون الدولة الإسلاميّة ودخلوا بلاد المسلمين وتقاسموهم فيما بينهم . وما إن تمّت عمليّة الاستعباد هذه للعالم الإسلامي حتماً ، تمّ بذلك انقلاب كلّي في حياة الأمّة فأقصيت العقيدة الإسلاميّة من موقفها من القاعدة الرئيسيّة لكيان الأمّة ووضعت الأمّة في أطر فكريّة وسياسيّة غريبة عن عقيدتها من الديمقراطيّة الرأسماليّة في كثيرٍ من المناطق الإسلاميّة ومن الاشتراكيّة في البلاد التي تخضع لحكم روسية . إنّ الواقع الذي لا شكّ فيه هو أنّ استبدال أنظمة الحكم والمجتمع بأنظمة أخرى لا يعني مجرّد تغيير قانون بقانون ولا يعبّر عن حادث طارئ في كيان الأمّة ، بل هو يعبّر عن استبدال جميع الأفكار والمفاهيم الإسلاميّة عن الحياة والكون التي ترتكز الأنظمة السابقة للحكم والمجتمع عليها بالأفكار والمفاهيم التي تقوم عليها الأنظمة الجديدة . وعلى هذا فقد كان الثمن الذي دفعته الأمّة للمستعمرين غالياً وغالياً جدّاً . فقد كلّفها ذلك التنازل عن رسالتها في الحياة وسرّ أصالتها في المجال الفكري والدولي معاً ، وكلّفها التبعيّة والخضوع لأعدائها الظالمين ، وكتب عليها أن تستجدي أفكارها ومفاهيمها من أبناء أعدائها الصليبيّين القدامى . إنّ قضيّة الإسلام في مثل هذه الظروف ليست قضيّة إصلاح بل قضيّة انقلاب ، والدعوات الإصلاحيّة التي قامت بإنشاء المدارس الدينيّة تارةً وإصدار الكتب والمجلّات الإسلاميّة تارةً أخرى ، وتأسيس لجان للوعظ والإرشاد مرّة ثالثة ونحو ذلك من ألوان الخدمة ، إنّ هذه الدعوات وإن قدّمت للإسلام خدمات جلّى تذكر فتشكر ، ولكنّها لا تعدو جميعاً أن تكون أعمالًا جانبيّة وليست من صميم المعترك ، فإنّ المعركة الرئيسيّة التي يخوضها الإسلام اليوم مع أعدائه إنّما تستهدف قبل كلّ شيء استرداد القاعدة للإسلام وجعل العقيدة الإسلاميّة في موضعها الرئيسي من حياة الأمّة والقضاء على الواقع الفاسد والكيان القائم برمّته ، وليست المدارس في مناهجها الدراسيّة ولا الصحف والمجلّات بأفكارها ومفاهيمها ولا المحطّات ببثّها وبرامجها إلّا أدوات بيد السلطة الحاكمة ونتائجها تتمخّض عن قواعد المجتمع الذي ينشأ فيه ، فلا يمكن أن يضمن تطويرها تطويراً إسلاميّاً إلّا إذا امتدّت الدعوة إلى الأسباب الرئيسيّة التي تموّن تلك الأحداث بطابعها وسياستها وأهدافها . ما هي حقيقة الأمر الأمر - أيّها الإخوة - ليس أمر شبيبة تفسدها المدارس ولا أمر جماعة تحتاج إلى وعظ وتوجيه ولا