أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 27

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

لا زلتُ أذكر جيّداً إحدى سهراتنا مطلع التسعينات في ليلة من ليالي صيف عاملة ، حيث البحر يلوح نهاراً لمن أمعن النظر في الأفق ، ومن خلفنا وعلى مقربة منّا الجبل الرفيع ، الذي سقت تربتَه دماءُ الشهداء الذين قضوا فيه ذوداً عن حمى الدين . كان المتسامرون يتجاذبون أطراف الحديث حول بعض الفتاوى الفقهيّة ، والتي كانت بنظر بعضهم مطّاطيّة يحار فيها المكلّف . وكان كلُّ شيءٍ طبيعيّاً قبل أن يختم والدي الحديث معزّزاً يأس المتسامرين بقوله : « لو كان السيّد محمّد باقر الصدر حيّاً لعالج المسألة بطريقة مختلفة » . ربّما لم أكن يومها أعرف شيئاً عن السيّد محمّد باقر الصدر سوى أنّ له في مكتبة والدي كتاباً فلسفيّاً كان قد أثار فضولي ضميرُ الجمع المتّصل ( نا ) المثبت في عنوانه ، وقد حفّته في مخيّلتي أحاديث المهابة والتقدير التي كنتُ أسمعها من والدي حول وزن الكتاب العلمي ، فكنتُ أكتفي بنقله من مكانٍ إلى آخر داخل المكتبة التي كنتُ ملتزماً بترتيبها كلّما سنحت لي الفرصة . لقد تساءلتُ في تلك الليلة عن السبب الذي قد يجعل هذا السيّد يعالج المسألة بطريقة مختلفة ، وما هو السبب الذي يجعله متميّزاً ؟ ! ومع أنّي لم أحاول يومها التثبّت من إمكان المصادقة على هذه المقولة ، ولم أحاول البحث عن جواب تساؤلي ، إلّا أنّني أودعتُه صفحةٍ من صفحات الذاكرة ، علّي أجد له يوماً جواباً . وبعد عدّة سنوات ، تيسّر أمر سفري إلى الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران من أجل متابعة الدراسة ، حيث رحت ألتقي بمحمّد باقر الصدر متألّقاً في منتديات العلم والمعرفة ، فضلًا عن حضوره البارز نقطةَ حسمٍ وفاصلةَ نزاعٍ في أسطر الخطاب السياسي لمختلف شرائح المعارضة العراقيّة ، حيث لعب بوضوح دور ( ليلى ) التي يسعى إلى وصلها الجميع . ولا ينبغي لي أن أُغفل عظيم الحفاوة التي يحظى بها عند طبقة الكسبة والمعوزين من العراقيّين المهاجرين ، الذين لا يضنّون عليه بعبارات الترحّم والتحسّر ، وقد أسكنته تلك المنزلةَ الرفيعة ترابيّتُه العجيبة التي عاش بها معهم . . في هذه المنتديات عثرتُ على جواب تساؤلي القديم الذي سبقني إليه والدي بسنوات ، فقد أدركتُ - وبوضوحٍ لا يساوره شكّ - أنّ الحديث عن الصدر حديثٌ عمّا هو ( مختلف ) ، إلّا أنّ اختلافه هذا وخروجه عن كثيرٍ من مسلّمات بيئته لم يكن خروج المتهوّر ، بل خروج الثمر اليانع عن جذع أمّه . وفي هذه المنتديات أيضاً ، عرفت معنى ( نا ) التي رفعها الصدر شعاراً ، بل وجدته هو بنفسه ( نا ) أخرى ، إذ كان بحق - طيّب الله رمسه - ضميراً فاعلًا لرفع الجمع المتّصل . . لقد شكّلت محطّتي الجديدة هذه سبباً دعاني إلى محاولة التعرّف على شخص محمّد باقر الصدر بشكل أعمق ، ثمّ على مواقفه في ميادين المعرفة وحقول العمل السياسي والاجتماعي ، وقد شدّني إليه محاضرةٌ بصوته سمعت كلماتها مرّات عديدة ، وقد أكّدت لي إخلاص الرجل وتمحضّه . . إلّا أنّ هذه المحاولة جرّتني - من حيث لا أدري - إلى التأريخ للحوزة العلميّة في