أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
144
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
« إنّه كان يمارس العمل السياسي والاجتماعي بدافع الوظيفة الشرعيّة ، ولم يكن لديه ميلٌ نفسيٌّ - لظروف التربية ولأسباب أخرى - إلى ممارسة الأعمال الاجتماعيّة والاختلاط بالناس . على أنّ العمل العلمي يمثّل رغبة ملحّة بالنسبة له ويشعر باللذّة والارتياح لممارسته مهما طال الوقت والزمن ومهما طالت به الخلوة » « 1 » . وضع السيّد الصدر المالي في هذه المرحلة كان السيّد الصدر يعاني الفقر في أيّام تحصيله ، وكان يخرج ومعه ( العلّاقة ) وليس في جيبه عشرة فلوس ، فيدور في السوق ثمّ يرجع ليس معه شيء . ومن ذكرياته ما نقله هو من أنّه في يومٍ من الأيّام كان جالساً في ( الكنجينة ) - غرفة صغيرة لوضع الفراش - فنادته والدته : « بني سيّد محمّد باقر هذا الظهر قد أقبل ولا يوجد ما نأكله ، فانزل إلى السوق وانظر لعلّ أحد البقّالين يديّننا بشيء » ، ولكنّه كان خجلًا من ذلك لكثرة الديون . وفي الأثناء طرق الباب شخصٌ لا يعرفه السيّد ، وقال : « هنا بيت فلان ؟ ! » ، فقال السيد : « نعم » ، فقال : « إنّ المرحوم السيّد حيدر والدكم كان [ قد أقرضني ] عشرين ديناراً ولم أتمكّن من تسديد دينه ، وها أنا الآن ولله الحمد أستطيع أن أقدّمها إليكم » . كما حدّث أنّه كان مديناً بمبلغٍ قليلٍ لبقّال ، ولم يكن البقّال يسأل عن مبلغ بهذا المقدار ، ولكنّ السيّد الصدر كان يقطع طريقاً طويلًا في السوق كي لا يراه ذلك البقّال ، وذلك حياءً منه « 2 » . يقول السيّد محمّد باقر الحكيم : « لقد حدّثني ( رضوان الله عليه ) أنّه كان يعيش في دار ملاصقة لدار خاله المرجع الكبير الشيخ محمّد رضا آل ياسين ، وهو مرجع ترده الأموال الشرعيّة مثل بقيّة المراجع الآخرين ، وكانت ظروف الشهيد الصدر المعيشيّة في حالة ضيق وشدّة ، ولكنّه لم يتلقَّ المساعدة المطلوبة من خاله كطالب علم متفوّق ورحم قريب وجارٍ عزيز ومن أسرة علميّة مرموقة وتنطبق عليه جميع العناوين المطلوبة من الحقوق الشرعيّة ، لأنّ خاله - مع حبّه واحترامه له لقربه ونبوغه - كان يتصوّر أنّ حالته المعيشيّة عاديّة ، ويأبى الشهيد الصدر لعزّته وكرامته أن يتحدّث عن أحواله هذه ويبقى حاله على هذه الشدّة والفاقة ، وإذا كان حال خاله الملاصق له في حسن الظنّ هذا فكيف بحال غيره ؟ ! . . . » « 3 » . « لقد حدّثني ( رضوان الله عليه ) مرّة عن هذا الأمر بأنّه واجه صعوبةً كبيرةً في إدارة هذه الحياة في هذه الفترة ، ولا سيما بعد هجرته إلى النجف الأشرف مع عائلته وانقطاعه عن الوسط الاجتماعي الكاظمي القريب منه ومن والده ، فذكر أنّه اضطرّ إلى بيع بعض الممتلكات البسيطة من الأثاث وغيره ممّا كان لديهم في الكاظميّة « 4 » ليحوّلها إلى سيولة نقديّة ويشتري بذلك حصّة سيّارة تُستخدم للأجرة على طريق النجف -
--> ( 1 ) شهيد الأمّة وشاهدها 121 : 1 ، نقلًا عمّا كتبه السيّد الحكيم ( 2 ) صحيفة ( لواء الصدر ) ، ( 164 ) ، 9 / ذي الحجّة / 1404 ه ، نقلًا عن السيّد الصدر ( 3 ) ملامح من السيرة الذاتيّة ( محدود الانتشار ) ؛ الصدر في ذاكرة الحكيم : 42 . وقد نقل السيّد كمال الحيدري - في الشريط 33 من شرحه على الحلقة الثانية - عن السيّد الصدر أنّ أخواله من آل ياسين لم يكونوا يصلونه بالمال باعتبار انتمائه إلى آل الصدر ، وكان آل الصدرُ في الوقت نفسه لا يصلونه كذلك ، إذ كيف يفعلون ذلك وأخواله من آل ياسين فيهم المرجع ؟ ! . وبين هذا وذاك بقي السيّد الصدر بلا مساعدات ماليّة ( 4 ) نقل عن السيّد الصدر أنّه طلب من والدته أن تعطيه ما تملك من حلي ثمّ باعه . . مقابلة مع الشيخ نجيب سويدان .