أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
128
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
الأطهار ، حيث كان يرتقي المنبر المعدَّ له في الصحن الكاظمي ليلقي القصيدة أو الكلمة في المناسبة عن ظهر قلب « 1 » ، ويبدو وكأنّه يرتجل مسترسلًا دون توقّف أو تلكّؤ . وقد تعجب أيّها القارئ أنّ فترة حفظه لها لا تتجاوز مسيرة الموكب من المدرسة إلى الصحن الشريف . وكثيراً ما كنتُ أسمع أنا وغيري من الطلّاب كلمات الاستحسان والتعجّب والتشجيع من قبل الناس المحتشدين حول موكب مدرستنا ( مدرسة منتدى النشر في الكاظميّة ) وقد أعطى - وهو في هذه السنّ - لموكبنا منزلةً قد تفوق منازل المواكب الأخرى ، فقد كان الناس يرافقون الموكب منذ لحظة انطلاقه من المدرسة إلى الصحن الشريف ، حيث نجد عدداً كبيراً من الناس ينتظرون الموكب بشوق ولهفة ، وكان تحشّدهم يزداد إذا كان هو الخطيب في ذلك اليوم ، وأمّا إذا كان غيره ينفضّ عن الموكب الكثيرون منهم ، فقد كان لإلقائه حلاوةٌ وتأثيرٌ غريبٌ في نفوس الجماهير يزيده روعةً صغرُ سنّه . وفي تلك السنين القليلة عرفنا باقر الصدر - وليتها كانت طويلة - وعرفه الناس الذين يقصدون الكاظميّة من بغداد وضواحيها لحضور المواكب والمجالس الحسينيّة . وإنّنا [ زملاءه ] في المدرسة عرفناه أكثر في مواقفه هذه ، وعرفناه طالباً مثاليّاً في سلوكه وفي جميع تصرّفاته . وما أتذكّر أنّه كان له حُسَّدٌ من الطلّاب ، بل كان حبّهم له يطغى على كلّ شيء ، يتودّدون ويتقرّبون منه ، وذلك بسبب سلوكه العقلاني معهم ، وإضفاء حبّه وحنانه على من هو أصغر منه واحترامه لمن هو أكبر منه ، وكنّا نشعر - وإن كبرناه سنوات - [ بأنّه ] كان والله معجزةً وآية من آيات خلق الله ، ولا أجدني مبالغاً مهما قلت عنه وأطنبت في امتداحه والثناء عليه وتعداد حسناته وصفاته التي لم نجد لها نظيراً في سمّوها لدى غيره من كلّ تلامذة المدارس . كان ينتحي زاويةً من زوايا المدرسة انفرد هو بها ولم يقربها غيره احتراماً له ، وذلك في كلّ استراحة بعد كلّ محاضرة في الصف ، وكان يلتفُّ حوله في تلك الزاوية عددٌ من أترابه التلاميذ ورفاقِ صفّه أو في الصفوف الأعلى . كنّا نراقب هذا الاجتماع ونرقبه وهو يتحدّث إلى المحيطين وكلّهم إصغاءٌ له ، يتحدّث إليهم بهدوء ويلفّه هدوءٌ ويغطّيه سكون ، والكلّ صاغون إلى حديثه ساهون مسحورون ، وقد أثارت فضولنا هذه الحالة وهذا الاجتماع ، فهممنا عدّة مرّات لأن ننضمّ إليهم ، ولكنّ فارق السن - كما قلنا - كان يحول بين رغبتنا وبين تحقيقها . وجاء ذلك اليوم الذي لم أنسه ولن أنساه ، كان يوماً جديداً لم يمرّ بنا مثله حين طغت علينا غريزة حبّ الاطّلاع ، فاندفعنا - وكأنّنا مقادون - إلى حيث يعقد اجتماعه ، وانضممنا إلى الثلّة التي كانت تحيط به ، وقد كانت خطوتنا هذه مفاجأةً له ، سكت عندها قليلًا عن الحديث ، وبعد أن ألقى علينا نظراتٍ فاحصةً كأنّه كان يريد أن يقول لنا هل أستمرُّ في الحديث ؟ وبعدها راح يواصل حديثه ، حديثاً لم نألفه من قبل ، فلا هو توضيح وشرح لما نأخذ من دروس عن أساتذتنا ، فقد كان حديثاً تتخلّله عبارات هي بالنسبة لنا غير مفهومة أو صعب فهمها . ولأوّل مرّة سمعنا فيها كلمة ( الماركسيّة ) و ( الإمبرياليّة ) و ( الديالكتيكيّة ) و ( الانتهازيّة ) وكلمات أخرى أظنّها كانت تعني أسماء الفلاسفة وعلماء وشخصيّات لم يحضرني منها سوى اسم ( فيكتور هوغو )
--> ( 1 ) أضاف السيّد كاظم الحائري ما سمعه من أستاذه من أنّه كان ينشئ الكلمات ( مقدّمة مباحث الأصول : 37 ) .