أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

114

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

طبعه لا تصدع صفاته ولا تستثار قطاته ، كالطود لا تقلقله العواصف والبحر لا تكدّره الدلاء . ويميناً بوجهه الكريم يترقرق فيه ماء البشر ، وتطرد فيه نظرة الجمال والبهاء ، فيقبل على جلسائه بنطق تبلّجه ونور تأجّجه بكل عطف ولطف ، فيمتزج بأرواحهم لرقّته وتشربه قلوبهم لعذوبته . ولله ألفاظه وأساليبه كانت هي الزلال أو أرقّ ، ومعانيه ومغازيه كانت هي السحر أو أدقّ ، يتدفّق فيها تدفّق اليعبوب فيملك بها الأسماع والأبصار والقلوب ، يستفرغ من أوعيته شتّى ، وبحار محيطه سائغة ، فمجالسه مدارس آهلة بجميع العلوم والفنون يستفيد منها المبتدئ والمتوسّط والمنتهون ، يرفعون له إذا نطق حجاب سمعهم ويوطئون له مهاد طبعهم . وقسماً بالعلوم قد استبطن دخائلها واستجلى غوامضها ومحّص حقائق الفقه منها والأصول ، فاستوى على مرقاة الأئمّة من آل الرسول ، فإذا هو فصل الخطاب في أحكامهم ومفصل الصواب بين حلالهم وحرامهم ، لا يرد قوله على ذي لب فيصدر إلّا عن تقدير وإعجاب . وأمّا وجوامع الكلم قد أوتيها ونوابغ الحكم قد جيئها تتدفّق على لسانه وتتفجّر عن بيانه ، لقد هتك الجزع عليه وعلى صنوه من قبله قميص قلبي « 1 » ، ومزّق كتائب صبري ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، كلمة أعدّها لكلّ صدمة وأتلقّى بها كلّ لطمة . أمّا الحزن فسرمد ، وأمّا الليل فمسهّد ، أو يختار الله لي دارها ، وما أسرع اللحاق بهما ، وهذا هو العزاء عنهما ، على أنّكم والحمد لله نعم الذخر ، وبوجودكم يجمل الصبر ، أورف الله ظلالكم على الأمّة ، وسدّ بكم هذه الثلمة ، فإنّكم والحمد لله حماة الدين ورعاته وسدنته وثقاته ، سائلًا من الله سبحانه دوام بقائكم مثال الماضين ، وثمال الباقين ، والسلام عليكم وعلى من لديكم ورحمة الله وبركاته » « 2 » . * * *

--> ( 1 ) يقصد السيّد حيدر الصدر ( 2 ) انظر الوثيقة رقم ( 6 ) ؛ موسوعة الإمام شرف الدين 168 : 9 - 170 .