أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
112
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
حريصةٌ أيضاً أن يدلّ مظهرها على شخصيّتها وأن يرسم في خطوط جبينها وحركاتها خطوط أفكارها وميولها . ولك أيضاً أن تتصوّريني فتاةً شابّة في ريعان الشباب ضاحكة الثغر ، طلقة المحيّا ، تندمج في كلّ موضوع ، ولا يفوتها شيءٌ ممّا حولها ، ترضي كلّ جليس ، إذا كتبت تكتب بسرعة وبدون أيّ مقدّمة ، وإذا تكلّمت تتكلّم بهدوء وتحسب لكلّ كلمة حسابها ، ليس عندها أيّ مكان خاص بها تستنزل فيه الإلهام ، أينما خطرت لها خاطرة أو عنت لها فكرة سجّلتها على ورقة أو أيّ شيء آخر حتّى ولو كان علبة سيجارة ، وهي حريصة على أن لا يتأثّر مظهرها بأفكارها وميولها وأن لا تكتب أفكارها على قسماتها وحركاتها ، ولهذا فهي بين ذلك كلّه فتاة كباقي الفتيات لا تتميّز عنهنّ بشيء إلّا بقوّة الإرادة وسموّ الروح ، وهي تستطيع أن تتحمّل كلّ شيء ، وأن تجاري كلّ أحد سوى جهل الجاهلات بأحكام الإسلام ، ولكنّها مع هذا لا تكاد تعرف أنّها هي تلك الغيورة الصارمة في تعاليم دينها ، فإنّ لها طريقتها الخاصّة باتّباع هذه التعاليم لا يتأثّر منها مظهرها ، تصوّري هكذا إذا شئت . وتصوّريني إذ أكتب إليك أفترش الأرض والحصير وأجعل من رجلي منضدة أريح فوقها أوراقي المبعثرة لأملي عليها أفكاري ! نعم تصوّريني هكذا ، وإذا شئت فتصوّريني شابّةً تشعر بشعورك وتمرّ بالمرحلة التي تمرّين بها وتنظر إلى كلّ ما تنظرين إليه ، ولكن من وراء منظار الواقع والحقيقة ، لا تغشّها المظاهر الخلّابة ولا تغريها كلّ أساليب الإغراء . تصوّريني هكذا إذا شئت ، بل تصوّري أيّة صورة من هذه الصور حيث تجديها أقرب إلى فكرك فاختاري منها إحداها ، أو اختاري غيرها ، وكوني مثلي ، فأنا لا أنظر إلى الإنسان تحت إطار اسمه أو مظهره أو ملبسه ، وإنّما أنظر إلى روحه وقلبه وأفكاره ، وتذكّري دائماً وقبل كلّ شيء أنّي أخت لك متواضعة وقريبة منك كثيراً وأكثر ممّا تتصوّرين ، لأنّ القرب قرب للروح والفكر والرأي : قد يجمع الرأي أشخاصاً وإن بعدوا * * * وقد يفرّق خلف الرأي إخواناً وأخيراً فرجائي إليك أن تنسي تلك الحروف القليلة ، واذكريني أنا بشخصي الروحي لأكون فخورة بذلك ، وثقي أن ليس لاسمي أيُّ دخل فيما أكتب وفيما تقرئين ، ودومي للمخلصة لك إلى الأبد . النجف الأشرف ، بنت الهدى » « 1 » . * * *
--> ( 1 ) المجموعة القصصيّة الكاملة ( كلمة ودعوة ) ، 131 : 3 - 134 .