أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
98
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
توفير هذه الطلِبة له . وتحايلت عليه بقطعة من الكعك ، ثمّ غسلت له وجهه ، وأقنعته بقولي بأنّنا سنخرج إلى بيت والدي ، وقد تجد بغيتك هناك إن شاء الله . وكان من عادتي يومياً تقريباً أن أذهب إلى بيت والدي ، أقضي فترة العصر هناك ، وأعود عند الغروب . وبعد عودتي ذلك اليوم إلى البيت قبيل الغروب ، نزلت إلى قبو البيت ( السرداب ) ، واتّجهت إلى صوب البئر ، لكي استعدّ لتحضير طعام العشاء . وكنّا في السابق إذا أردنا أن نحتفظ ببعض ما يتبقّى من الأطعمة المطبوخة أو البيض أو الجبن بعيداً عن التلف ، نعمد إلى جعله في إناء خاص من سعف النخيل ، ونعلّقه في داخل فوهة البئر في أسفل الدار ؛ لأنّه أبرد مكان في البيت على الإطلاق ، ونجعله بطريقة يحفظ معها الطعام عن الحشرات والتلف معاً . عندما دخلت القبو واقتربت قليلًا من موقع البئر ، أثار استغرابي شيءٌ لم أعهده من قبل ، لقد شممت رائحة تشبه الشواء أو اللحم المحمّر ( المكبّب ) . تلفتُّ من حولي يمنة ويسرةً ، فلم أجد على أرض القبو غير ما كنت أعهده هناك ، ولكنّي لاحظت أنّي كلّما اقتربت من البئر كلّما تأكّدت الرائحة وتكثّفت ، وما أطللت برأسي داخل فتحة البئر ، حتّى فوجئت بمقدار من خبز اللحم الطازج والساخن كأنّه للتو أخرج من تنّوره ووضع في هذا المكان . فاستغربت وثارت دهشتي ، لأنّ أحداً غيري لا يصل إلى هنا في العادة ، ولمّا سألت ابني السيّد إسماعيل والشيخ البلداوي الذي كان قد حضر بعد عودنا لبعض شؤونه ، أبديا دهشتهما ، ونفيا أيّ علاقة أو علم بالموضوع ! . . قلت لنفسي : ( على كل حال ، من يرفض رزقاً من السماء ؟ ) . . . أخذته متلهّفة ووضعته أمام الأطفال ، وأقبلنا عليه نأكل منه ، كما لم نأكل مثله قطُّ : لذّة وهناءً و ( رِيّاً ) أيضاً ، حيث لم نشعر بأيِّ عطش أو رغبة في شراب بعده . . ولله المنة » . كما روت لها أنّها كانت يوماً معه خارج المنزل ، وهو في عمر الخامسة ، قالت : « وعند عودنا ، وقبيل دخولنا إلى الدار ، رأيته قد انكبّ إلى الأرض يبحث عن شيءٍ ما . فقلت : سيِّد محمّد باقر ، هيّا لندخل ، إنّ الجو بارد ، وليس الوقت يسمح بالتأخّر واللعب ، فأجاب : لا يا أمّاه لست ألعب ، وإنّما أنا أبحث عن قلمي الذي سقط منّي هنا . فقلت : لا تهتمّ يا حبيبي ، تعال وسأشتري لك غيره . ولكنّه أصرّ على البحث ، فسبقته ودخلت ، وإذا به يدخل بعد هنيهة ، وبيده قلم رصاص صغير بحجم إصبعه ، أي كان القلم تقريباً يلفظ أنفاس آخر أيّامه ، لكثرة بريه واستخدامه ، ! فتعجّبت من تعلّقه بهذا القلم وحرصه عليه وشدّة اعتزازه به ، رغم بذلي الجديد له عوضا عنه » . وممّا حكته أنّها نادته يوماً وهو في عمر السادسة ؛ تقول : « وكرّرت النداء : سيّد محمّد باقر ! سيّد محمّد باقر ! فلم أسمع له جواباً ، وفزعت ، لأنّني كنت شفوقة بدرجة مفرطة على هذين الطفلين . . كونهما بقيّة الله لي من نثار أحشائي ، خاصّة مع يتمهما والحرمان الذي يلفّهما ، ثمّ ناديت على أخيه سيّد إسماعيل ليبحث عنه ، وهو بدوره بعد اليأس من العثور على الفتى ، استدعى الشيخ البلداوي ليشترك معنا في البحث . وبعد مزيد من البحث والتعب ، وقع عليه الشيخ عبد الحسن في مكان لم يدُر في خُلْد أحد أن قد يوجد فيه ذلك الطفل اليتيم . لقد وجده منشغلًا مستغرقاً في عالمٍ وحده ، وذلك في زاوية من زوايا الدار المهملة ، كان قد استغرق في تهيئة مكان يسع جسده الصغير في داخل فجوة قديمة ، قد أحدثها الزمن في جدار [ مهترئ ] من تلك الناحية المهملة من الدار . ومثل هذه الفجوة أو الشرخ ، كان العراقيون يسمّونها ( كتّة ) ، ولقد وُجد محمّد