أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
41
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
له بعض أعلامهم أن يروي عنه كلّ ما صحّت له روايته عن مشايخه كافّة بالسلسلة المتّصلة بالمؤلّفين منهم . هاجر إلى العراق سنة ( 1155 ه ) فأقام في كربلاء المقدّسة والنجف الأشرف متفرّغاً لطلب العلم إلى سنة ( 1163 ه ) ، حين رجع إلى مسقط رأسه شحور ليفيض على أهله من روحه وعلمه ورعايته ، فصار من أعاظم المراجع يومذاك إلى أن كانت فتنة أحمد باشا الجزّار التي ابتدأت سنة 1191 ه . وقد وقعت وقعتان مهمّتان أيّام فتنة الجزّار : إحداهما : وقعة ( يارون ) في 5 / شوّال / 1195 ه ( 24 / 9 / 1781 م ) حيث كانت النصرة للجزّار بعد مقتل أمير العامليّين الشيخ ناصيف النصّار من آل علي الصغير . الثانية : وقعة ( شحور ) في 13 / رجب / 1198 ه ( 2 / 6 / 1784 م ) ، حيث اجتمع الشيخ حمزة بن محمّد النصّار من آل علي الصغير مع الشيخ علي الزين صاحب شحور على قتل حاكم الجزّار في تبنين في 12 / رجب / 1198 ه ، فزحف إليه جيش الجزّار وهم معسكرون في شحور فقتل الشيخ حمزة ومثّل به وقتل معه نحو مئتي رجل ، وكانت مصارعهم قرب شحور عند عينها ( عين الدير ) في أرضٍ سمّيت فيما بعد ( بلاطة القتلى ) . وقد نتج عن ذلك أن شرّد أهالي شحور ونكبت قريتهم ونهبت مكتبة السيّد صالح المشتملة على تراث آبائه ، ثمّ حملت إلى عكّا شأنها شأن غيرها من مكتبات العلماء وحرقت هناك . وكان السيّد صالح قد اعتزل الناس من قبل الواقعة فآوى بأهله وذويه إلى كهفٍ في وادٍ عميقٍ شمالي بلدة شحور حيث يجري نهر الليطاني ، وكان في الوادي حرجٌ عظيمٌ ملتفُّ الأشجار فسلم السيّد يومئذٍ . ولكن ما لبث أن وقع في أيدي عيون الجزّار مع ولده السيّد هبة الله أبي البركات ، فقتلوا نجله أمام عينيه وساقوه هو إلى عكّا حيث سجنوه مع ثلّة من العلماء منهم الشيخ سليمان بن معتوق العاملي . وبعد توسّلهما بدعاء الطير الرومي تسنّى لهما الفرار من السجن والهرب إلى الكاظمين في العراق سنة 1199 ه حيث لحقه بولديه وأمّهما أخوه السيّد محمّد ، الذي رجع إلى عاملة وبقي على تواصلٍ مع أخيه بالمراسلة شعراً ونثراً . وممّا أرسله السيّد صالح إلى أخيه : برقٌ أضاء لنا من نحو حيّهم - * ففاض جفني بمنهلٍ ومنسجم وقلت والدمع من عيني منسكب * يا برق حيّهم وأنزل بحيّهم يزداد شوقي لهم يا صاحبي أبداً * إذا تذكّرت عصراً قد مضى بهم أقضي نهاري وليلي في تذكّرهم * والناس تعجب منّي كيف لم أنم كتمتُ وجدي ودمع العين يظهره * وكيف أكتم سرّاً غير منكتم جسمي مقيم بدار لا أنيس بها * والقلب منّي مقيم في طلولهم قلبي يحنُّ إليهم كلّما سجعت * ورق الحمام وسحت أوجه الديم ولست أبغي سواهم في الورى أحداً * همُ مُرادي ومقصودي من الأمم أشتاقهم وبودّي لو أزورهم * مشياً على الرأس لا سعياً على القدم