أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

مقدمة 11

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

« أي بنيّ ! . . . إنّما قلبُ الحَدَث كالأرض الخالية ، ما ألقي فيها من شيءٍ قبلَته ، فبادرتُك بالأدب قبل أن يقسوَ قلبُك ويشتغلَ لبُّك ، لتستقبلَ بجدِّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهلُ التّجارب بغيتَه وتجربتَه ، فتكون قد كفيتَ مؤونةَ الطّلب ، وعوفيتَ من علاج التجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه ، واستبان لك ما ربّما أظلم علينا منه . أي بنيّ ! إنّي وإن لم أكن عُمّرتُ عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في أعمالهم وفكّرت في أخبارهم وسرت في آثارهم ، حتّى عدت كأحدهم ، بل كأنّي بما انتهى إليّ من أمورهم قد عُمّرت مع أوّلهم إلى آخرهم ، فعرفتُ صفوَ ذلك من كدره ، ونفعَه من ضرَرِه ، فاستخلصتُ لك من كلّ أمرٍ جليلَه ، وتوخّيتُ لك جميله ، وصرفتُ عنك مجهولَه » « 1 » . امام على * * * « إنّي لمّا تصفّحت أخبار الأمم وسِيَرَ الملوك وقرأت أخبار البلدان وكتب التواريخ ، وجدتُ فيها ما تستفاد منه تجربةٌ في أمور لا تزال يتكرّر مثلها ويُنتظر حدوث شبهها وشكلها . . . ورأيتُ هذا الضرب من الأحداث إذا عرف له مثالٌ ممّا تقدّم وتجربةٌ لمن سلف ، فاتّخذ إماماً يقتدى به ، حذر ممّا ابتلى به قومٌ ، وتمسّك بما سعد به قومٌ ؛ فإنّ أمور الدنيا متشابهة ، وأحوالها متناسبة ، وصار جميع ما يحفظه الإنسان من هذا الضرب كأنّه تجارب له ، وقد دفع إليها واحتنك بها ، وكأنّه قد عاش ذلك الزمان كلّه ، وباشر تلك الأحوال بنفسه ، واستقبل أموره استقبال الخَبِر ، وعرفها قبل وقوعها ، فجعلها نصب عينه وقبالة لَحظِه ، فأعدّ لها أقرانها وقابلها بأشكالها . وشتّان بين من كان بهذه الصورة وبين من كان غِرّاً غُمْراً لا يتبيّن الأمر إلّا بعد وقوعه ، ولا يلاحظه إلّا بعين الغريب منه ، يحيّره كلُّ خطبٍ يستقبله ، ويدهشه كلّ أمر يتجدّد له » « 2 » . أبو علي مسكويه الرازي ( ت : 421 ه - ) * * * « عليكم أن تحملوا أنفسكم وتعوّدوها على وضع الحبّ والبغض جانباً لدى كتابة التاريخ . وعليكم أن تكتبوا الحقائق ، وإن لزم من ذلك تضرّركم أو تضرّر من تربطكم بهم علاقة . أنا أيضاً من الممكن أن أقع في الخطأ ، ولا ينبغي أن تمرّوا من جانب أخطائي أو ما تعتقدونه كذلك من دون أن تحرّكوا ساكناً ، ولا ينبغي أن تحاولوا إخفاء ذلك ، فهذا لا ينسجم مع المهمّة التي أخذتموها على عاتقكم ، والمؤرّخ الذي يمتشق قلمه لله لا يلغو ولا يكتم الحقائق .

--> ( 1 ) تحف العقول : 70 ؛ بحار الأنوار 218 : 77 - 219 ( 2 ) تجارب الأمم 1 : 1 - 2 .