الشيخ محمد رضا النعماني

60

شهيد الأمة وشاهدها

الماركسية ونظرياتها ليطلع على مكنونات هذه النظرية ، ترددت في بادئ الأمر على إرشاده إلى ذلك لأنّه طفل ، وخشيت أن تتشبع أفكاره بالماركسية ونظرياتها . وبعد إلحاح منه شديد ولما كنت لا أحب ردّ طلبه أرشدته إلى بعض المجلات والكتب المبسطة في كتابتها عن الماركسية وفي عرضها لها . وقد أخذت على عاتقي تهيئة ما تيسر لي من هذه المجلات والكتب وهي نادرة وعزيزة لأنّها كانت آنذاك من الكتب المحرّم بيعها في المكتبات . وبعد أن تسلّمها منّي تهلّل وجهه فرحاً ثم أعادها إليّ بعد أن قرأها ، مكرراً طلبه أن أجد له كتباً أكثر موضوعية وأعمق شرحاً وعرضاً لآراء الماركسية ، فهيّأت له ما طلب ، وكنت أظنّ أنّه سوف لا يفقه منها شيئاً لأنّني أنا نفسي رغم مطالعتي الكثيرة في هذا الموضوع أجد أحياناً صعوبة في فهمها . وبعد مدة أسبوع واحد أعادها إليَّ وطلب غيرها ، وأضاف المدرّس قائلًا : أحببت أن أعرف ما الذي استفاده هذا الطفل من قراءته لهذه الكتب وإذا به يدخل في شرح الماركسية طولًا وعرضاً ، فأخذت عن شرحه لها كلّ ما غمض عليّ معناه عند قرائتي لها ، فعجبت لهذا الطفل المعجزة وهو لمّا يزل في المرحلة الثالثة من الدراسة الابتدائية ، وقد زاد في اطمئناني عندما راح يشرح لي أنّه كان يأتي على مناقشة كلّ رأي على حدة مناقشة العالم المتبحّر في العلم فاطمأننت بأنّه لم يتأثّر بالماركسية مطلقاً ، وأنّه كان يقرؤها كناقد لا كدارس لها . وحدثني عنه مدرس اللغة فقال : والله لولا الأنظمة والقوانين ولو كانت هناك حكومة تقدر النبوغ والكفاءة لمنحته الشهادة الثانوية ، بأعلى الدرجات ، وفتحت له أبواب الكليات ليختار منها ما يشاء وكفيته أمر الذهاب إلى المدرسة والعودة منها إلى البيت . إنّ إلمامه بعلوم اللغة العربية يفوق حدّ التصوّر لطفل في سنّه . وكم من مرّة جعلني أقف أمامه محرجاً لا أحير جواباً فأضطر أن أُؤجل