الشيخ محمد رضا النعماني
58
شهيد الأمة وشاهدها
شاءت الصدف أن أتخذ لي مكاناً إلى جانبه في أحد المجالس التأبينية التي أقيمت تخليداً لذكرى الشهيد الصدر . وفي التفاتة مني إليه غير مقصورة وجدت عليه أمارات الألم والحزن الشديدين ، أمارات لم أجدها ترتسم على وجوه الآخرين ، بل لا أغالي إذا قلت : كانت عليه سيماء الثكل ولم ينتبه إلى التفاتتي فقد كان ساهياً منصرفاً عن كلّ ما هو حوله ومثبتاً عينيه على صورة للشهيد الصدر كانت معلقة أمامه ، وهو يصدر الآهة إثر الآهة ، ويجذب الحسرة تلو الحسرة ، وبين كل لحظة وأخرى تنحدر من عينيه دمعتان كان يكفكفهما بمنديل يحمله بيده ، كان يبكي ويتألّم بصمت . وقد لفت نظري كثيراً رغم أنّ كل من كانوا في الحفل أعرقتهم فاجعة الذكرى بآلامها وأشجانها وربما علا صوت نحيب من هنا أو هناك لبيت شعر من قصيدة شاعر ، أو لعبارة من كلمة خطيب تثير في النفوس شجاها وتحرّك عواطفها وأحاسيسها إلا هذا ، فما سمعت منه الا الآهات والتنهدات والأنّات الخفيّة . إن كل الذين كانوا في الحفل أو جلهم يعرفون الصدر إما عن كثب ، أو من خلال جهاده في سبيل إعلاء كلمة الحقّ ، إذن لابدّ أن يكون لهذا شأن آخر ، هكذا قدّرت وقد أصاب تقديري فسألته وقطعت عليه وجومه وشرود فكره ، وقد جاء سؤالي كمتنفّس له وداع إلى بثّ ما في جنبيه من ألم دفين وحزم كمين ، ويبدو أنّه عرفني واطمأن إليَّ فراح يحدّثني وبنبرات تقطّعها الآهات والحسرات . قال بعد تنهدة عميقة : إنّ علاقتي بالفقيد علاقة الأخ الكبير بأخيه الصغير الوحيد ، كان ذلك في السنوات الأخيرة من الأربعينات يوم كان طالباً في المراحل الأولى من الدراسة الابتدائيّة ، وكنت معلّماً في المدرسة التي كان يتعلم بها وهي مدرسة منتدى النشر الدينية الابتدائية في الكاظمية ، وقد رأيت أنّ هذا التلميذ يوليه المدير عناية خاصة ويرعاه رعاية يشوبها الاحترام والتقدير ،