الشيخ محمد رضا النعماني
56
شهيد الأمة وشاهدها
وجاء ذلك اليوم الذي لم أنسه ولن أنساه ، كان يوماً جديداً لم يمرّ بنا مثله حين طغت علينا غريزة حبّ الاطلاع فاندفعنا - وكأنّنا مقادون - إلى حيث يعقد اجتماعه ، وانضممنا إلى الثلة التي كانت تحيط به ، وقد كانت خطوتنا هذه مفاجأة له ، سكت عندها قليلًا عن الحديث ، وبعد أن ألقى علينا نظرات فاحصة كأنّه كان يريد أن يقول لنا هل أستمر في الحديث ؟ وبعدها راح يواصل حديثه ، حديث لم نألفه من قبل ، فلا هو توضيح وشرح لما نأخذ من دروس عن أساتذتنا ، فقد كان حديثاً تتخلّله عبارات هي بالنسبة لنا غير مفهومة أو صعب فهمها ، ولأوّل مرة سمعنا فيها كلمة ( الماركسية ) و ( الإمبريالية ) و ( الديالكتيكية ) و ( الانتهازية ) وكلمات أخرى أظنها كانت تعني أسماء الفلاسفة وعلماء وشخصيات لم يحضرني منها سوى اسم ( فيكتور هوغو ) و ( غوته ) وغابت في حينها يصعب علينا نطقها وتلفظها ، كانت غريبة علينا جداّ ولم نسمع بها أو بمثلها من الأسماء في كتبنا الدراسيّة ، ولم نقرأ فيها إلا ( اديسون ) و ( نيوتن ) وغيرهما ممن درسنا عنهم وعن اكتشافاتهم واختراعاتهم . لقد كان يهيم في حديثه ويسبح في بحر من الخيال والتسامي أو يغوص في بحر لجّي يلتقط منه العبارات والمعاني والأفكار . لقد حملنا شوقنا إلى المعرفة أن نكرر انضمامنا إلى مجموعته التي اطلق عليها اسم - الحوزة - وكلنا نرغب رغبة ملحة في أن نفهم ما يتحدث به ، ونحن لا ندري هل أنّ هؤلاء الصبية والأطفال المحيطين به يعون ويدركون ما يتحدث به إليهم ويتفهمون ذلك ؟ وه ما كان يثير اهتمامنا بقدر ما كنّا نرغب في التزود من معارفه آنذاك والتي كنّا نراها أشياء جديدة علينا ، ولكنّ فيها متعة ولذّة وإن لم ندرك أكثرها ، وكنّا نستزيده فيزيد ، ونطلب منه أن يعيد علينا ما حدثنا به قبل يوم فيجيب دون أن يلتمس لنفسه عذراً أو يقابلنا برفض ، فقد كان همّه كلّ همه أن نفهم