الشيخ محمد رضا النعماني

54

شهيد الأمة وشاهدها

كنا نعرف عنه أنه مفرط في الذكاء ومتقدم في دروسه تقدّماً يميّز فيه زملاءه كثيراً ، أو ندر نظيره ، وما طرق أسماعنا أنّ هناك تلميذاً في المدارس الأخرى يبلغ بعض ما يبلغه من فطنة وذكاء ، لذا اتخذه معلموه نموذجاً للطالب المجد والمؤدّب والمطيع . فما من درس يمرّ بنا إلا وكان حديث المعلّم عنه يطغى على ما يُلقننا من مادة ، وكان ذلك يزيدنا احتراماً وإعجاباً به ، حتى أخذ بعض الطلبة يجهد نفسه في تقليده في مشيه وفي حديثه وفي جلوسه في الصف لينال ما يناله من احترام وإعجاب ، وقد بلغ احترام زملائه له وجميع تلاميذ المدرسة احترامهم لمعلميهم إن لم يتعدّاه أحياناً ، فهم يتهيّبون التحدّث إليه إلا إذا شعروا برغبة منه في الحديث وإلا أن يكون هو الباردئ في الحديث . وقد تجاوز هذا الإعجاب به والحديث عنه جدران المدرسة إلى الشارع والسوق والمدارس الأخرى وفي كلّ مكان ، حتى أنّني فوجئت يوماً أنّ أبي يدعني إلى أن اقتدي به في سلوكي وفي حديثي مع الناس . وقد كان هذا شأن كثير من الآباء مع أبنائهم لو أرادوا لهم النصح . ومما زاد تعرف الناس عليه هو قيامه بإلقاء الخطب والقصائد التي كان يهيؤها له معلّموه المتمكّنون من اللغة العربية في المواكب الحسينية التي تنظمها المدرسة كل عام في يوم عاشوراء ، أو في وفيات بعض الأئمة الأطهار ، حيث كان يرتقي المنبر المعدّ له في الصحن الكاظمي ليلقي القصيدة أو الكلمة في المناسبة عن ظهر قلب ، ويبدو وكأنه يرتجل مسترسلًا دون توقّف أو تلكؤ ، وقد تعجب أيها القارئ أنّ فترة حفظه لها لا تتجاوز مسيرة الموكب من المدرسة إلى الصحن الشريف ، وكثيراً ما كنت أسمع أنا وغيري من الطلاب كلمات الاستحسان والتعجب والتشجيع من قبل الناس المحتشدين حول موكب مدرستنا ( مدرسة منتدى النسر في الكاظمية ) وقد أعطى - وهو في هذه السن - لموكبنا منزلة قد