تقرير بحث السيد كمال الحيدري لشيخ علي العبادي
193
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول )
القول الثاني : الترجيح بلا مرجّح قضيّة بديهيّة وهذا ما ذهب إليه أكثر الحكماء ، بل قالوا : إنّ بداهتها من الوضوح بدرجة بداهة قضيّة « الواحد نصف الاثنين » . ومن الذين ذهبوا إلى بداهة قاعدة « استحالة الترجيح بلا مرجّح » : صدر المتألّهين ، وأجاب على القائلين بنظريّتها : بأنّ القضايا البديهيّة متفاوتة في الوضوح فيما بينهما ، حيث قال : « وأمّا قول من ينكر بداهة القضيّة المفطورة : بأنّا متى عرضنا قولكم : ( الطرفان لمّا استويا بالنسبة إلى الذات في رفع الضرورة عنهما ، فامتنع الترجيح إلّا بمنفصل ) على العقل ، مع قولنا : الواحد نصف الاثنين ، وجدنا الأخيرة فوق الأولى في القوّة والظهور ، والتفاوت إنّما يستقيم إذا تطرّق الاحتمال بوجه ما إلى الأولى بالنسبة إلى الأخيرة ، وقيام احتمال النقيض ينقض اليقين التامّ . فالظلم فيه ظاهر ؛ إذ لم يعلم أنّ التفاوت في الفطريات كثيراً ما يكون بحسب التفاوت في طرفي الحكم ، والحكم في نفسه ممّا لا يتفاوت ، على أنّ الحكم الفطري والحدسي كالاقتناص ممّا يجوز فيه التفاوت بالقياس إلى الأذهان والأزمنة وخصوصيّات المفهومات والعقود ؛ لتفاوت النفوس في استعداداتها الأوّلية غريزيّة ، واستعداداتها الثانويّة كسبيّة ، فالسلائق العقليّة في إدراك نظم الحقائق وتأليفها وزانها وزان السلائق الحسّيّة والسمعيّة في وزن الألفاظ وتأليف الأصوات ، وجهة الوحدة في العقليّات كجهة الوحدة في السمعيّات ، والتخالف كالتخالف ، وكلّ من سلمت ذائقة عقله من القصور والاختلال ، أو من الأمراض النفسانيّة والاعتلال الحاصل من مباشرة الجدال والمناقشة في القيل والقال ، لم يرتب في استحالة رجحان الشيء على مثله من كلّ جهة إلّا بمنفصل ، ومن استحلّ ترجيح الشيء بلا مرجّح ، يوشك أن يسلك سبيل الخروج عن الفطرة البشريّة ؛ لخباثة ذاتية وقعت من سوء قابليّتها