تقرير بحث السيد كمال الحيدري لشيخ علي العبادي
142
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول )
وبتعبير آخر : إنّهم اعتبروا الوقوع دليلًا على الإمكان هنا ، حيث قالوا : لمّا كان هذا الشيء واقعاً ، فهو إذن ممكن ، في حين إنّ الأمر ليس كذلك ؛ لأنّ سلوك الإنسان وتصرّفاته تخضع لمجموعة من العوامل النفسيّة والعقليّة والفسيولوجيّة ، ولا يستطيع الإنسان دائماً أن يعرف دوافع كلّ سلوك يصدر عنه . واختيار الإنسان - وترجيحه لأحد الأمرين دون الآخر - لابدّ أن يخضع لعلّة ودافع يجعله يختار أحدهما دون الآخر . فمثلًا : قد يختار الإنسان دائماً - في حالة التساوي - ما يقع على الجانب الأيمن منه ، أو بالعكس ؛ لوجود مرجّح مركوز في نفسه ، من دون أن يشعر بأنّ هذه العادة مستحكمة في سلوكه . ومن المعلوم : أنّ الجانب اللاشعوري في النفس الإنسانيّة ذو أثر كبير في إنتاج السلوك وتحديد المواقف الإنسانيّة المتنوّعة . وعلى هذا الأساس لا يصحّ ما قاله المتكلّمون ، من : أنّ وقوع الشيء دليل على إمكانه ؛ لأنّ هذا القول نشأ من تجاهل دور الأسباب النفسيّة في السلوك « 1 » . ونحن نذهب إلى خلاف ما ذهب إليه الحكماء ، من : استحالة الترجّح بلا مرجّح في المقام ، أي : المعنى الرابع ، حيث نقول : إنّنا لا نحتاج إلى مرجّح في هذه الحالة ، أي : المعنى الرابع ، وهذا ما نلمسه بالوجدان ؛ إذ إنّنا نختار أحد الفعلين المتساويين ، أو أحد الطريقين المتساويين من كلّ جهة ، بلا مرجّح . وهذا لا يعني تخصيصاً للقاعدة العقليّة ؛ وذلك لأنّ هذه الحالة خارجة تخصّصاً من القاعدة العقليّة ، وهي الترجيح بلا مرجّح ؛ لأنّ قاعدة الترجيح بلا مرجّح غير شاملة للمورد .
--> ( 1 ) انظر : شرح المنظومة ، الشهيد مرتضى المطهّري : ج 3 ، ص 107 .