السيد الطباطبائي
285
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
بإثبات مبدئها ، ولا سبيل لعرض الأعدام [ 1 ] المنافية لكمالاتها الّتي تقتضيها وهي موجودة لها في بدء وجودها . فمجال الشرّ ومداره هو عالم المادّة الّتي تتنازع فيه الأضداد وتتمانع فيه مختلف الأسباب وتجري فيه الحركات الجوهريّة والعرضيّة الّتي يلازمها التغيّر من ذات إلى ذات ومن كمال إلى كمال . والشرور من لوازم وجود المادّة القابلة للصور المختلفة والكمالات المتنوّعة المتخالفة ، غير أنّها - كيفما كانت - مغلوبة للخيرات ، حقيرة في جنبها إذا قيست إليها . وذلك أنّ الأشياء - كما نقل عن المعلّم الأوّل [ 2 ] - من حيث الخيرات والشرور المنتسبة إليها على خمسة أقسام : إمّا خير محض ، وإمّا شرّ محض ، وإمّا خيرها غالب ، وإمّا شرّها غالب ، وإمّا متساوية الخير والشرّ . والموجود من الأقسام الخمسة قسمان ، هما : الأوّل الّذي هو خير محض ، وهو الواجب تعالى الّذي يجب وجوده وله كلّ كمال وجوديّ وهو كلّ الكمال ، ويلحق به المجرّدات التامّة . والثالث الّذي خيره غالب ، فإنّ العناية الإلهيّة توجب وجوده ، لأنّ في ترك الخير الكثير شرّا كثيرا . وأمّا الأقسام الثلاثة الباقية ، فالشرّ المحض هو العدم المحض الّذي هو بطلان صرف لا سبيل إلى وجوده . وما شرّه غالب وما خيره وشرّه متساويان تأباهما العناية الإلهيّة الّتي نظمت نظام الوجود على أحسن ما يمكن وأتقنه . وأنت إذا تأمّلت أيّ جزء من أجزاء الكون وجدته أنّه لو لم يقع على ما وقع عليه بطل بذلك النظام الكونيّ المرتبط بعض أطرافه ببعض من أصله ، وكفى بذلك شرّا غالبا في تركه خير غالب .
--> ( 1 ) وفي النسخ : « العروض » والصحيح ما أثبتناه . ( 2 ) نقله عنه صدر المتألّهين في تعليقاته على شرح حكمة الإشراقّ : 521 .