السيد الطباطبائي
253
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
فإنّ علمه التفصيليّ بالأشياء - وهو عين ذاته - علّة لوجودها بما لها [ 1 ] من الخصوصيّات المعلومة ، فله تعالى عناية بخلقه . وأمّا القضاء : فهو بمفهومه المعروف جعل النسبة الّتي بين موضوع ومحموله ضروريّة موجبة ، فقول القاضي مثلا في قضائه - فيما إذا تخاصم زيد وعمرو في مال أو حقّ ورفعا إليه الخصومة والنزاع وألقيا إليه حجّتهما - : « المال لزيد والحقّ لعمرو » إثبات المالكيّة لزيد وإثبات الحقّ لعمرو إثباتا ضروريّا يرتفع به التزلزل والتردّد الّذي أوجده التخاصم والنزاع قبل القضاء وفصل الخصومة . وبالجملة : قضاء القاضي إيجابه الأمر إيجابا علميّا يتبعه إيجابه الخارجيّ اعتبارا . وإذا اخذ هذا المعنى حقيقيّا بالتحليل غير اعتباريّ انطبق على الوجوب الّذي يتلبّس به الموجودات الممكنة من حيث نسبتها إلى علّتها التامّة [ 2 ] فإنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وهذا الوجوب الغيريّ من حيث نسبته إلى العلّة التامّة إيجاب ، ولا شيء في سلسلة الوجود الإمكانيّ إلّا وهو واجب موجب بالغير ، والعلل تنتهي إلى الواجب بالذات ، فهو العلّة الموجبة لها ولمعلولاتها [ 3 ] .
--> - وعند صدر المتألّهين والحكيم السبزواريّ عبارة عن علمها بالأشياء في مرتبة ذاتها ، علما مقدّسا عن شوب الإمكان ، فليست زائدة على ذاته تعالى ، بل هي نفس ذاته تعالى . راجع الأسفار 6 : 291 ، وشرح المنظومة ( قسم الحكمة ) : 176 . وعند صدر الدين القونويّ عبارة عن إفاضة نوره الوجوديّ على من انطبع في مرآة عينه الّتي هي نسبة معلوميّته واستعدّ لقبول حكم ايجاده ومطهّريّته . راجع مصباح الانس ( كلام الماتن ) : 87 . ومن هنا يظهر أنّ المصنّف رحمه اللّه تبع صدر المتألّهين ، وصرّح بذلك في تعليقته على الأسفار 6 : 291 حيث قال : « العلم العنائيّ هو علم الفاعل بغاية فعله ، فالمعتمد في إثباته فيه تعالى على وجوب تقدّر الغاية لكلّ فعل عند فاعله ، وكون غايته تعالى في أفعاله هي ذاته ، فغاية كلّ موجود أو نظام وجود - وهي كماله الأخير والمصلحة المطلوبة منه - لها نحو تقرّر عنده تعالى بما أنّ الفعل فعله ، فينتج ما ذكره رحمه اللّه أنّه العلم التفصيليّ الذاتيّ بالكمالات الوجوديّة والنظام الأتمّ الجاري فيها » . ( 1 ) وفي النسخ : « بماله » والأولى ما أثبتناه . ( 2 ) وفي النسخ : « عللها التامّة » والصحيح ما أثبتناه . ( 3 ) بل لا علّة بحقيقة معنى الكلمة إلّا الواجب تعالى .