السيد الطباطبائي

188

نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )

بيان ذلك [ 1 ] : أنّ النفس عند أوّل ما تنال من طريق الحسّ بعض الماهيّات المحسوسة أخذت ما نالته فاختزنته في الخيال ، وإذا نالته ثانيا أو في الآن الثاني وأخذته للاختزان وجدته عين ما نالته أوّلا ومنطبقا عليه . وهذا هو الحمل الّذي هو اتّحاد المفهومين وجودا [ 2 ] . ثمّ إذا أعادت النفس المفهوم مكرّرا بالإعادة بعد الإعادة ثمّ جعلتهما واحدا [ 3 ] كان ذلك حكما منها وفعلا لها ، وهو مع ذلك محاك للخارج ، وفعله هذا نسبة وجوديّة ووجود رابط قائم بالطرفين اعتبارا . ثمّ للنفس أن تتصوّر الحكم الّذي هو فعلها ، وتنظر إليه نظرا استقلاليّا مضافا إلى موصوفه بعد ما كان رابطا ، فتتصوّر وجود المفهوم ، ثمّ تجرّده فتتصوّر الوجود مفردا من غير إضافة . فبهذا يتحصّل انتزاع مفهوم الوجود [ 4 ] من الحكم ويقع على مصداقه الخارجيّ ، وإن كانت حيثيّته حيثيّة أنّه في الخارج ، فهي مصاديق له ، وليست بأفراد مأخوذ فيها مفهومه أخذ الماهيّة في أفرادها ، ثمّ تنتزع من مصاديقه صفاته الخاصّة به ، كالوجوب والوحدة والكثرة والقوّة والفعل وغيرها . ثمّ [ 5 ] إذا نالت النفس شيئا من الماهيّات المحسوسة فاختزنته ثمّ نالت ماهيّة أخرى مباينة لها لم تجد الثانية عين الأولى منطبقة عليها [ 6 ] ، كما كانت تجد ذلك

--> ( 1 ) وحاصل بيانه : أمّا في القضايا الموجبة فإنّ النفس تنشئ وجودا رابطا بين الموضوع والمحمول ، ثمّ تنتزع عنه مفهوم وجود المحمول ، ثمّ تجرّده عن الإضافة ، فيحصل مفهوم الوجود . فالنفس تنشئ وجودا رابطا بين « زيد » و « قائم » مثلا ، ثمّ تنتزع عنه مفهوم الوجود المضاف إلى القيام ، لكنّه معنى حرفيّ ولا يمكن أن يحكي عن الوجودات المستقلّة ، فتنظر إليه نظرا استقلاليّا وتجرّده عن الإضافة ، فتتصوّر مفهوم الوجود المستقلّ من دون الإضافة إلى المحمول . وأمّا في القضايا السالبة فتنشئ النفس عدما رابطا بين الموضوع والمحمول ، ثمّ تنتزع عنه مفهوم عدم المضاف إلى المحمول ، ثمّ تجرّده عن الإضافة فتنال مفهوم العدم مفردا من غير إضافة . ( 2 ) أي الحمل الشائع . ( 3 ) وفي النسخ : « ثمّ جعلتها واحدا » والصحيح ما أثبتناه . ( 4 ) أي : الوجود على نعت الإطلاق . ( 5 ) شروع في بيان كيفيّة انتزاع المفاهيم الاعتباريّة من عدم الحكم في القضايا السالبة . ( 6 ) أي : ولم تجد الثانية منطبقة على الأولى .