السيد الطباطبائي
35
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
ويتبيّن به أنّ الوجود حقيقة مشكّكة ذات مراتب مختلفة ، كما مثّلوا [ 1 ] له بحقيقة النور على ما يتلقّاه الفهم الساذج [ 2 ] أنّه حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة في الشدّة والضعف ، فهناك نور قويّ ومتوسّط وضعيف مثلا ، وليست المرتبة القويّة نورا وشيئا زائدا على النوريّة ، ولا المرتبة الضعيفة تفقد من حقيقة النور شيئا أو تختلط بالظلمة الّتي هي عدم النور ، بل لا تزيد كلّ واحدة من مراتبه المختلفة على حقيقة النور المشتركة شيئا ، ولا تفقد منها شيئا ، وإنّما هي النور في مرتبة خاصّة بسيطة لم تتألّف من أجزاء ولم ينضمّ إليها ضميمة ، وتمتاز من غيرها بنفس ذاتها الّتي هي النوريّة المشتركة . فالنور حقيقة واحدة بسيطة ، متكثّرة في عين وحدتها ، ومتوحّدة في عين كثرتها . كذلك الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة بالشدّة والضعف والتقدّم والتأخّر والعلوّ والدنوّ وغيرها [ 3 ] . ويتفرّع على ما تقدّم أمور : الأمر الأوّل : أنّ التمايز بين مرتبة من مراتب الوجود ومرتبة أخرى إنّما هو بنفس ذاتها البسيطة الّتي ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز . ولا ينافيه مع ذلك أن ينسب العقل التمايز الوجوديّ إلى جهة الكثرة في الوجود دون جهة الوحدة ،
--> ( 1 ) راجع الأسفار 1 : 49 و 69 - 71 ، وشرح المنظومة : 22 - 23 . ( 2 ) تلويح إلى أنّ النور على ما يتلقّاه الفهم الساذج حقيقة عرضيّة بسيطة ذات مراتب مختلفة . وأمّا بالدقّة العلميّة فهو مركّب من ذرّات أو أمواج أو ذرّات موجيّة . ( 3 ) والحاصل : أنّ حقيقة الوجود حقيقة واحدة في عين أنّها كثيرة ، كالنور الحسّيّ الّذي يرجع فيه كلّ ما به الامتياز ( وهو النور الشديد والضعيف ، والمتقدّم والمتأخّر و . . . ) إلى ما به الاشتراك ( وهو النور ) ؛ أو كالواحد لا بشرط ( وهو الوحدة الجمعيّة والسعيّة الّتي للعدد ) ، فإنّ الاثنين واحد وواحد ، والثلاثة واحد وواحد ، ولم يفترقا إلّا بالواحد ، كما لم يتقوّما ولم يشتركا إلّا به ؛ فالأعداد بجميع مراتبها الغير المتناهيّة منازل الواحد لا بشرط ، بل هو أصلها وأساسها وعادّها ومبديها . فما في السماوات والأرضين أعداد اعتباريّة قوامها بالواحد لا بشرط الّذي هو الوجود المفاض من الفيّاض المطلق .