السيد الطباطبائي
11
نهاية الحكمة ( تعليقات الزارعي السبزواري )
وقد تبيّن بما تقدّم : أوّلا : أنّ الفلسفة أعمّ العلوم جميعا ، لأنّ موضوعها أعمّ الموضوعات ، وهو « الموجود » [ 1 ] الشامل لكلّ شيء [ 2 ] . فالعلوم جميعا تتوقّف عليها في ثبوت موضوعاتها [ 3 ] . وأمّا الفلسفة فلا تتوقّف في ثبوت موضوعها على شيء من العلوم ، فإنّ موضوعها الموجود العامّ الّذي نتصوّره تصوّرا أوّليّا ونصدّق بوجوده كذلك ، لأنّ الموجوديّة نفسه [ 4 ] . وثانيا : أنّ موضوعها لمّا كان أعمّ الأشياء ولا ثبوت لأمر خارج منه كانت المحمولات المثبتة فيها [ 5 ] إمّا نفس الموضوع ، كقولنا : « إنّ كلّ موجود فإنّه - من حيث هو موجود - واحد أو بالفعل » ، فإنّ الواحد وإن غاير الموجود مفهوما لكنّه عينه مصداقا ، ولو كان غيره كان باطل الذات غير ثابت للموجود [ 6 ] ؛ وكذلك ما بالفعل . وإمّا ليست نفس الموضوع ، بل هي أخصّ منه ، لكنّها ليست غيره ، كقولنا : « إنّ العلّة موجودة » ؛ فإنّ العلّة وإن كانت أخصّ من الموجود
--> - الأولى » كما قال الشيخ الرئيس في الفصل الثاني من المقالة الأولى من إلهيّات الشفاء : « وهو الفلسفة الأولى ، لأنّه العلم بأوّل الأمور في الوجود ، وهو العلّة الأولى وأوّل الأمور في العموم » . ( 1 ) بخلاف من قال : « إنّ موضوعه هو الإله » ومن قال : « إنّ موضوعه هو العلل الأربع » ، راجع شرح عيون الحكمة 3 : 8 - 9 . ( 2 ) إن قلت : قد يبحث في الفلسفة عن أحوال المعدوم ولا يعتبر فيها الوجود فكيف يشمله الموجود ؟ قلنا : الموجود أعمّ من الذهنيّ والخارجيّ - كما سيأتي - ، والمعدوم وإن كان معدوما بالحمل الأوّليّ لكنّه موجود بالحمل الشائع الصناعيّ . ( 3 ) فإنّ التصديق بوجود موضوع العلم يعدّ من مباديه ، وإذا لم يكن بديهيّا فيحتاج إلى علم أعلى حتّى يثبت فيه . فمراد المصنّف من « العلوم جميعا » هو غير العلوم الّتي وجود موضوعاتها بديهيّة . كما صرّح به في تعليقته على الأسفار 1 : 25 ، فقال : « ويتبيّن به أيضا أنّ سائر العلوم محتاجة إليها من جهة إثبات وجودها لو لم تكن بديهيّة » . ( 4 ) أي : نفس الوجود . ( 5 ) أي : الفلسفة . ( 6 ) أي : لو كان الواحد غير الوجود مصداقا كان باطل الذات ، فإنّ غير الوجود هو العدم ، ولا مصداق للعدم ، فلا يثبت للموجود .