السيد الطباطبائي
185
بداية الحكمة ( تحقيق الزارعي السبزواري )
مبتلى بمرض أورثه اختلالا في الإدراك ، فليراجع الطبيب ، وإمّا معاند للحقّ يظهر ما يظهر لدحضه ، فليضرب وليؤلم ، وليمنع ممّا يقصده ويريده ، وليؤمر بما يبغضه ويكرهه ، إذ لا يرى حقيقة لشيء من ذلك . نعم ، ربما راجع بعضهم هذه العلوم العقليّة ، وهو غير مسلّح بالأصول المنطقيّة ولا متدرّب في صناعة البرهان ، فشاهد اختلاف الباحثين في المسائل بين الاثبات والنفي والحجج التي أقاموها على كلّ من طرفي النقيض ، ولم يقدر لقلّة بضاعته على تمييز الحقّ من الباطل ، فتسلّم طرفي النقيض في مسألة بعد مسألة ، فأساء الظنّ بالمنطق ، وزعم أنّ العلوم نسبيّة غير ثابتة ، والحقيقة بالنسبة إلى كلّ باحث ما دلّت عليه حجّته . وليعالج أمثال هؤلاء بايضاح القوانين المنطقيّة وإراءة قضايا بديهيّة لا تقبل الترديد في حال من الأحوال ، كضرورة ثبوت الشيء لنفسه ، واستحالة سلبه عن نفسه ، وغير ذلك ، وليبالغ في تفهيم معاني أجزاء القضايا ، وليؤمروا أن يتعلّموا العلوم الرياضيّة . وها هنا طائفتان اخريان من الشكّاكين ؛ فطائفة يتسلّمون الإنسان وإدراكاته ، ويظهرون الشكّ في ما وراء ذلك ، فيقولون : « نحن وإدراكاتنا ، ونشكّ فيما وراء ذلك » ؛ وطائفة أخرى تفطّنوا بما في قولهم : « نحن وإدراكاتنا » من الاعتراف بحقائق كثيرة ، من أناسي وإدراكات لهم ، وتلك حقائق خارجيّة ، فبدّلوا الكلام بقولهم : « أنا وإدراكاتي ، وما وراء ذلك مشكوك » . ويدفعه : أنّ الإنسان ربما يخطئ في إدراكاته ، كما في موارد أخطاء الباصرة واللامسة وغيرها من أغلاط الفكر ، ولولا أنّ هناك حقائق خارجة من الانسان وإدراكاته تنطبق عليها إدراكاته أو لا تنطبق ، لم يستقم ذلك بالضرورة . وربما قيل : إنّ قول هؤلاء ليس من السفسطة في شيء ، بل المراد أنّ من المحتمل أن لا تنطبق الصور الظاهرة للحواسّ وبعينها على الأمور الخارجيّة ، بما لها من الحقيقة ، كما قيل : « إنّ الصوت بما له من الهويّة الظاهرة على السمع ليس له