السيد الطباطبائي
138
بداية الحكمة ( تحقيق الزارعي السبزواري )
وحكم النقيضين - أعني الإيجاب والسلب - أنّهما لا يجتمعان معا ، ولا يرتفعان معا ، على سبيل القضيّة المنفصلة الحقيقيّة 1 ؛ وهي من البديهيّات الأوّليّة التي عليها يتوقّف صدق كلّ قضيّة مفروضة ، ضروريّة كانت أو نظريّة ؛ إذ لا يتعلّق العلم بقضية إلّا بعد العلم بامتناع نقيضها ، فقولنا : « الأربعة زوج » ، إنّما يتمّ تصديقه إذا علم كذب قولنا : « ليست الأربعة زوجا » ؛ ولذا سمّيت قضيّة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما : « أولى الأوائل » . ومن أحكام التناقض أنّه لا يخرج عن حكم النقيضين شيء البتّة ، فكلّ شيء مفروض إمّا أن يصدق عليه زيد أو اللازيد ، وكلّ شيء مفروض إمّا أن يصدق عليه البياض أو اللا بياض ، وهكذا . وأمّا ما تقدّم في مرحلة الماهيّة 2 - أنّ النقيضين مرتفعان عن مرتبة الذات ، كقولنا : « الإنسان من حيث إنّه إنسان ليس بموجود ولا لا موجود » - فقد عرفت أنّ ذلك ليس بحسب الحقيقة من ارتفاع النقيضين في شيء ، بل مآله إلى خروج النقيضين معا عن مرتبة ذات الشيء ، فليس يحدّ الإنسان بأنّه « حيوان ناطق موجود » ؛ ولا يحدّ بأنّه « حيوان ناطق معدوم » . ومن أحكامه أنّ تحقّقه في القضايا مشروط بثمان وحدات معروفة ، مذكورة في كتب المنطق 3 ؛ وزاد عليها صدر المتألّهين رحمه اللّه وحدة الحمل 4 بأن يكون الحمل فيهما جميعا حملا أوّليّا ، أو فيهما معا حملا شائعا ، من غير اختلاف ، فلا تناقض بين قولنا : « الجزئيّ جزئيّ » أي مفهوما ، وقولنا : « ليس الجزئيّ بجزئيّ » أي مصداقا .
--> ( 1 ) وهي قولنا : إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب . - منه رحمه اللّه - . ( 2 ) في الفصل الأوّل من المرحلة الخامسة . ( 3 ) وهي وحدة الموضوع ، والمحمول ، والشرط ، والإضافة ، والكلّ والجزء ، والقوّة والفعل ، والمتى ، والأين . راجع شرح المنظومة ( قسم المنطق ) : 61 ، وشرح حكمة الإشراق : 86 . ( 4 ) راجع الأسفار 2 : 109 .