السيد الطباطبائي

66

رسالة الولاية

وقد أفاد في قوله سبحانه : « إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » « 25 » ، أن الملكوت هي عالم الأمر ، وهو العالم العلوي . وفي الحديث : « لولا أنّ الشياطين يحومون حول قلوب بني آدم لرأوا ملكوت السماوات والأرض » . ومن الشاهد على أنّ اليقين يعقّبه اللّه سبحانه بذلك ، قوله تعالى : « كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ » « 26 » ؛ وقوله : « كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » « 27 » . ويشير سبحانه أيضا بذلك انّ اكتساب المعاصي يزيل حكم اليقين ، كما قال : « وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ » « 28 » ، وقال : « أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَ

--> ( 25 ) يس / 82 / 83 . ( 26 ) التكاثر / 5 - 7 . ( 27 ) المطففين / 14 . ويستفاد من الآية الشريفة انّ مشاهدة آيات اللّه ، المستورة عن أعين غير أهل اليقين ، المضروب عليها بالغطاء والحجاب ، إنّما هي بعين القلب ، دون عين الحس البدني . فللقلب عين ، كما أنّ له سائر الأعضاء الحساسة . وفي هذا المعنى آيات كثيرة في كتاب اللّه ، كقوله عز وجلّ : « وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » . وقوله : « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ » . وقوله : « أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ » ، وهذه الآية تفسّر المراد بالعين والاذن وغيرهما ، انّ المراد بهنّ جميعا في باب الهداية والضلالة ، إنّما هي جوارح القلب والباطن ، دون الجسم المحسوس الظاهر . ومن هذا الباب ، سائر المعاني المصرّح بها في حقّ المهتدين والضالّين ، كقوله : « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ » وقوله : « إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا » ، إلى غير ذلك من الآيات . فللقب عالم ، كما أنّ للحسّ عالما ؛ وله من الأحكام والآثار ما يشبه عالم الحسّ . ( 28 ) النمل / 14 .