السيد الطباطبائي

56

رسالة الولاية

رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً » « 38 » ، ويقول : « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ » « 39 » ، ويقول : « وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ » « 40 » ، والنسيان ، هو الإعراض عن الذكر ، عرف انّ نسيان نفسه ، والتعلّق بالأشياء ، علامة نسيان ربّه . وانّه لو أعرض عن ذكره ، وتعلّق بالأشياء ، لسلكه ذلك إلى عذاب صعد ، ولا عذاب عند المحبين إلّا حجاب البعد ، ولأضلّه القرين عن السبيل . وحينئذ يتحقّق انّ السبيل هو نفسه ، وطريقة التعلّق به للسلوك إلى ربّه ، لأنّ ربّه معه وقائم عليه محيط به . فعند ذلك ينقطع عن كلّ شئ إلى نفسه ، ويتعلّق بها ، ويصفّيها ، ويهذّبها بفاضل الأخلاق وصالح الأعمال ، والتحرّز عن الموبقات ، والفرار عن المهلكات ، لأنّه سبحانه يأمر بها ، ويحبّها لا لجنة يطمع فيها ، ولا لنار يخاف منها ، بل لوجه اللّه ، لا يريد بذلك جزاء ولا شكورا . كلّ ذلك وهو متعلّق بنفسه ابتغاء لقاء ربه ، محدق بها ، متوجه القلب إليها ليله ونهاره ، لكنّه لا يعطيها استقلالا ، ولا يدع لها تمكّنا ، وحاشاه ! وأنّى يقع صادق الحب على محبوبين ؟ وحقّ الطلب على مطلوبين ؟ بل المحبوب محبوب لذاته ، وكلّ ما يحبّه هو محبوب لأجله ؛ فهو المحبوب في نفسه وفي غيره . وأنت تعلم أنّ المحبّ لا يريد إلّا المحبوب يلوى ( يفرّ ) إليه من كلّ ما يصدّه عنه ، ويميل إليه من كلّ ما يشغله عنه . لا همّ له إلّا الخلوة

--> ( 38 ) الجن / 17 . ( 39 ) الزخرف / 36 . ( 40 ) الحشر / 19 .