السيد الطباطبائي

46

رسالة الولاية

وهذا العلم متعلّق بقضية ذات موضوع ومحمول واقع عليها ، وهما من المفاهيم . والحقّ سبحانه ، قد قام البرهان على انّه سبحانه وجود محض ، لا مهيّة له ، فيستحيل دخوله في الذهن ، لاستلزام ذلك مهيّة خالية في نفسها عن الموجودين ؛ موجودة تارة بوجود خارجي ، وأخرى بوجود ذهني ، وهي مفقودة هيهنا . فكلّ ما وضعه الذهن ، وتصوّره واجبا ، وحكم عليه بمحمولاته من الأسماء والصفات ، فهو غيره سبحانه ألبتّة . وإلى ذلك يشير ما في توحيد الصدوق ، مسندا عن عبد الأعلى ، عن الصادق - عليه السّلام - ، في حديث : « ومن زعم أنّه يعرف اللّه بحجاب أو بصورة أو بمثال ، فهو مشرك ؛ لأنّ الحجاب والصورة والمثال غيره ، وإنّما هو واحد موحّد ، فكيف يوحّد من زعم انّه عرفه بغيره ؟ إنّما عرف اللّه من عرفه باللّه ؛ فمن لم يعرفه به ، فليس يعرفه ، إنّما يعرف غيره . ليس بين الخالق والمخلوق شئ ، واللّه خالق الأشياء لا من شيىء ، يسمّى بأسمائه ، فهو غير أسمائه ، والأسماء غيره ، والموصوف غير الواصف . فمن زعم انّه يؤمن بما لا يعرف ، فهو ضالّ عن المعرفة . لا يدرك مخلوق شيئا إلا باللّه ، واللّه خلو من خلقه ، وخلقه خلو منه ، الحديث » . قوله - عليه السّلام - : « وانّما هو واحد موحّد » ، أي واحد محض لا كثرة فيه . فيه إشارة إلى « برهان امتناع أن يكون معرفة الغير مستلزمة لمعرفته سبحانه » ؛ بأن يقال : إنّ العلم عين المعلوم بالذات ، كما برهن عليه في محلّه ، فيمتنع أن يكون العلم بالشئ علما بشئ آخر مباين له ، وإلّا كان المتباينان واحدا ، هذا خلف . فاستلزام العلم بشئ علما بشئ آخر ، موجب لوجود اتّحاد ما بين الشيئين . وحيث فرضا شيئين ، ففيهما جهة اتحاد ، وجهة