السيد محمد الصدر

26

موسوعة الإمام المهدي ( ع ) ( تاريخ الغيبة الصغرى )

عواطف وغرائز وعقائد ومسبقات ذهنية وعادات حياتية . ولا يمثل العقل والفكر منه الا بعضها من هذا المزيج ، والمؤرخ وان كان يتخيل ويفترض أنه يكتب تاريخه بعقله وفكره ، الا أن هذا واضح البطلان ، وانما هو يكتب تاريخه بمجموع عواطفه وسائر مرتكزاته ، وبخاصة في الحوادث التاريخية التي تقترن بخلاف بين جماعتين ، أو بعواطف معينة . الوجه الثالث : ان هناك نحوين من الملاحظة ، بحسب الاصطلاح العلمي - أولهما : طريقة الملاحظة المنظمة التي يتعمد الباحث فيها النظر ويتقصى الحقائق حول حادثة معينة أو عدة حوادث حين وقوعها . ثانيهما : الملاحظة المشوشة غير القائمة على التنظيم والتعمد ، كالتاجر يذهب إلى بلد معين ليستورد منها البضاعة ، أو السائح يذهب إليه ليشاهده ، وحين يعود ، يسأل عن ذلك البلد ، وعن حقائقة ووقائعه ، في حين انه قد شاهدها صدفة وأحس بها احساسا عشوائيا ، ولم يتعمد فهمها ، ولا التفكير فيها على وجه الخصوص . والتاريخ مدون عادة بالنحو الثاني من الملاحظة . لأن الأشخاص الذين كانوا يعيشون تلك الأزمنة ، إنما عاشوها بصفتها حياة عادية ، لا يعيدون فيها النظر ولا يتعمقون في أسبابها ونتائجها . ثم يأتي الراوي منهم إلى المؤرخ ليعطي له ما علق في ذهنه من هذا الخضم الزاخر الذي عاشه في حياته ، مما قد مر أمامه مرورا عابرا .