السيد محمد الصدر

86

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ويُراد به النبي ( ص ) ؛ لأنَّه صاحب المجتمع أربعين سنة قبل النبوّة ، ولم يرد عليه ما يدلّ على الجنون ، بل كان معروفاً بكمال الرشد والأمانة والاعتدال والإنسانيّة ، فيكون السياق لأجل تأكيد الاستدلال على صدق الإسلام والقرآن بمدح النبي . والوجه فيه : أنَّ القرآن يمدح ظاهر النبي ( ص ) وباطنه ، وقوله : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ مدحٌ للظاهر ، وقوله : مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ مدحٌ للباطن ، وكلاهما صالحٌ لباطنه وظاهره . هذا كلّه بحسب ما فهمه المشهور من الآية . لكن الإشكال الذي يرد على هذا الفهم هو لزوم الدور بتقريب : أنَّه لو كان المقصود من قوله تعالى : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ النبي الأكرم ( ص ) ، والمخاطب به الكفّار - مع احتمال أن يكون النبي بنظرهم مجنوناً - فيكون المحصّل أنَّ المجنون أو المحتمل الجنون يدفع التهمة عن نفسه ويقول : أنا لست بمجنونٍ مع أنَّ الكفّار لم يكونوا على يقينٍ بأنَّ القرآن نزل من الله سبحانه ، فيلزم الدور ؛ لتوقّف دفع تهمة الجنون على نفس من هو متّهمٌ بالجنون . فإن قلت : الخطاب في قوله تعالى : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ خطابٌ للمسلمين ، والمعنى : يا أيّها المسلمون ، ما صاحبكم بمجنونٍ . قلت : هذا المعنى غير محتملٍ ؛ إذ لو كانوا يشكّون بأنَّ النبي ( ص ) مجنونٌ فكيف أسلموا وصدّقوا بما يقول ؟ مع أنَّ المجنون لا يصدّق ولا يؤخذ بكلامه ، بل الخطاب للكفّار بالمباشرة . ويمكن الإجابة عن هذا الإشكال بعدّة وجوه ، لا يلزم أن تكون هذه الوجوه دفاعاً عن المشهور ، وإنَّما هي دفاع عن القرآن لو صحّ التعبير . وإليك هذه الوجوه :