السيد محمد الصدر
79
منة المنان في الدفاع عن القرآن
بِمَجْنُونٍ يُراد به الرسول الذي بين أيديكم الذي يأكل ويشرب ويمشي ، وإنَّما العظيم بهذا المقدار هو جبرائيل . ولعلّهم يستدلّون على صحّة هذه الدعوى ببعض الروايات الواردة في كتب العامّة والخاصّة ، من قبيل ما ورد عن النبي ( ص ) عن زر ، عن عبد الله ، قال رسول الله ( ص ) : « رأيت جبرائيل له ستّمائة جناح » « 1 » ، ونحوها ممّا يفهم منها أنَّ النبي ( ص ) يفتخر أنَّه رأى جبرائيل على حقيقته ، يعني : أنَّه رأى شيئاً أعلى منه ، وإلّا لو كان بمستواه أو أقلّ منه فلا داعي للفخر ، فيفهم من ذلك أنَّ النبي ( ص ) أقلّ مرتبةً من جبرائيل ، ولا يمكن أن يتّصف الأقل بصفات الأكثر ، فيتعيّن أن يكون المراد بالصفات في الآيات جبرائيل . وقد يعضده الالتفات إلى وجود آيات من قبيل قوله تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ « 2 » ونحوها ممّا يدلّ بنظرهم على أنَّ النبي ( ص ) أقلّ درجةً من جبرائيل ، فلو كان النبي ( ص ) بمنزلةٍ ساميّةٍ جدّاً لما احتاج إلى نزول جبرائيل بالقرآن . وبهذا يكون النبي ( ص ) قد فهم القرآن من جبرائيل ( ع ) ، ولولاه لما عرف القرآن . والجواب : أنَّ النبي ( ص ) - كما ثبت بالدليل - خير الخلق على الإطلاق ، وأوّل الخلق إيجاداً بحسب التكوين في عالم الإمكان ، وأقربهم من الله وإلى الله ، وأعلاهم شرفاً ومنزلةً ، بما فيهم الملائكة ، ومن ضمنهم جبرائيل ، وكذلك سائر المخلوقات ، بل جميع المخلوقات خلقت من نوره ( ص ) ، وعلى هذا لا استبعاد أن يكون النبي ( ص ) عظيماً عند الله متّصفاً بهذه الصفات ، بل هو أولى
--> ( 1 ) علل الدارقطني 56 : 5 ، الحديث 702 . ( 2 ) سورة الشعراء ، الآية : 193 .