السيد محمد الصدر
70
منة المنان في الدفاع عن القرآن
قوله تعالى : وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ : قال الراغب في معنى النَفَس : والنَفَس الريح الداخل والخارج في البدن من الفم والمنخر ، وهو كالغذاء للنفس ، وبانقطاعه بطلانها . ويُقال للفرج نفس . . . يُقال : اللّهمّ نفّس عني ، أي : فرّج عني ، وتنفّست الريح إذا هبّت طيّبة . . . وتنفّس النهار عبارةٌ عن توسّعه . قال : وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ « 1 » . أقول : الظاهر : أنَّ المعنى الأصلي للنَفَس هو التنفّس الذي يصعد وينزل للإنسان والحيوان ، ومنه سمّيت النفس ، فكأنَّهم كانوا يتصوّرون أنَّ النَفَس هو النَفس ، أو باعتبار توقّف استمرار النَفْس على النَفَس . ويُقال للفرج نفس ؛ لأنَّ الإنسان حين يحصل له الفرج يتنفّس نفساً عميقاً باعتبار ملازمته للتنفّس غالباً ، ومنه : اللّهمّ نفّس عنّي ، أي : فرّج عني . وإذ كان التنفّس بالهواء أو الريح سُمّيت الريح نفساً أو سمّيت الريح الطيّبة نفساً ، فقيل : تنفّست الريح إذا هبّت طيّبة . وقول الراغب : ( تنفّس النهار عبارة عن توسّعه ، وقوله تعالى : وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ أي : توسّع ) لا يخلو من إشكالٍ ؛ فإنَّه لو كان المراد من قوله تعالى : وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ أي : توسّع كان من باب المجاز لا الحقيقة ؛ لأنَّ التوسّع لم يُؤخذ في مفهوم اللفظ أصلًا ، والمجاز بابٌ واسعٌ ، وإنَّما يُطلب المعنى الحقيقي للآية ، ولا يصحّ حملها على المجاز ؛ لأنَّه خلاف الأصل . أضف إلى ذلك : أنَّ الآية عبّرت بالصبح ولم تعبّر بالنهار ، والصبح عرفاً غير النهار ؛ إذ الصبح ما بين الطلوعين - طلوع الفجر إلى طلوع الشمس - وهو غير النهار ؛ إذ النهار يبدأ بطلوع الشمس ، أي : إنَّهما متباينان ، ولا يجتمعان إطلاقاً .
--> ( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 523 ، مادّة نفس .