السيد محمد الصدر
68
منة المنان في الدفاع عن القرآن
قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ : قال الراغب : وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ أي : أقبل وأدبر ، وذلك في مبدأ الليل ومنتهاه ، فالعسعسة والعساس رقّة الظلام ، وذلك في طرفي الليل ، والعسّ والعسس نفض الليل عن أهل الريبة ، ورجل عاس وعسّاس ، والجمع العسس . وقيل : كلب عسّ خير من أسدٍ ربضٍ ، أي : طَلَب الصيد بالليل ، والعسوس من النساء المتعاطية للريبة بالليل ، والعسّ القدح الضخم ، والجمع عساس « 1 » . أقول : الظاهر : أنَّ أصل المادّة من الحركة والمراقبة بالليل أو من المشي بالليل ، فإذا نسبناه إلى الليل ، كما في قوله تعالى وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ، كان المراد الإشارة إلى حركة الليل ، لا الحركة في الليل ، ويكون المعنى : كما يتحرّك من في الليل يتحرّك الليل نفسه ، وهو يفيد اشتداد الليل لا خفّة ظلامه ، على خلاف ما ذكره الراغب ؛ لأنَّ الليل إذا تحرّك فإنَّه يتأكّد ويتوسّط ويشتدّ ، كما هو واضحٌ عرفاً . ومن هنا اكتسب المعنى الهيبة والهيمنة ، واستحقّ أن يكون مورداً للقسم ، بخلاف ما إذا كان المراد خفّة الظلام ؛ فإنَّه لا يمتلك تلك الأهمّيّة حتّى يُقسم به . وعلى هذا الفهم تكون هذه الآية نظير آياتٍ أُخرى ، نحو قوله تعالى : وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى « 2 » ووَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى « 3 » ووَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ « 4 » مع فارقٍ
--> ( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 346 ، مادّة عس . ( 2 ) سورة الضحى ، الآية : 2 . ( 3 ) سورة الليل ، الآية : 1 . ( 4 ) سورة الفجر ، الآية : 4 .