السيد محمد الصدر

58

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ومنها : أن نقول : إنَّ أَحْضَرَتْ بمعنى : علمت قيمة فعلها ، لا فعلها فقط ؛ لأنَّ الفعل وحده ليس له أهمّيّة ، وإنَّما القيمة الأخلاقيّة للعمل هي التي تُؤخذ بنظر الاعتبار . ويمكن فهم ما ذُكر على أحد أنحاء : النحو الأوّل : أن نقدّر ( قيمة أو أهمّيّة ) ما أحضرت ، فتكون الآية على هذا التقدير : ( علمت نفس قيمة ما أحضرت ) ، إلّا أنَّ التقدير خلاف الظاهر ، ولا يُصار إليه إلّا مع الضرورة ، ومع صحّة الوجوه الآتية لا ضرورة لهذا التقدير . النحو الثاني : أنَّ الفرد أو غيره كالملائكة يدركون بنفس العمل قيمة ذلك العمل ، فعندما نشاهد شخصاً يصلّي ندرك أنَّه يعمل عملًا صالحاً ، وبنفس تذكّر العمل يتذكّر قيمته ، أو بإنجازه ينجز قيمته ، فيكون إدراك العمل بالمطابقة وإدراك القيمة بالالتزام ، وهما متساويان دائماً . وشاهد ذلك أنَّنا عندما نرى زيداً مثلًا ندرك في نفس الوقت أنَّه رجل دينٍ أو عامل . . . وهكذا . ولا يخفى : أنَّ هذه المعاني مع أنَّها انتزاعيّة ، إلّا أنَّها متلبّسة في الإنسان من رأسه إلى أخمص قدمه ، كتلبّس النجّار أو الحدّاد بزيد ، فيدركان معاً ، وهنا لا نحتاج إلى تقديرٍ ؛ لأنَّنا ندرك العمل بالدلالة المطابقيّة ، والقيمة بالدلالة الالتزاميّة . النحو الثالث : أنَّنا إلى الآن فهمنا من اسم الموصول في قوله : مَا أَحْضَرَتْ الأعمال أو الأفعال ، كما فهم المشهور ذلك . والآن نريد أن نشير إلى معنى آخر ؛ لأنَّ الذي تبيّن أنَّ المهمّ هو قيمة العمل لا نفس العمل .