السيد محمد الصدر

50

منة المنان في الدفاع عن القرآن

أقول : قد فهم الراغب من الحديث المعنى الأوّل ، فيكون المراد : تقرّبوا إلى الله بركعتين . مع أنَّه يمكن أن يُحمل على المعاني الأُخرى التي ذكرناها ، فعلى المعنى الثاني يكون المراد : تجمّلوا أمام الله بركعتين ، أي : حسّنوا أعمالكم أمامه سبحانه بركعتين ، أو حسّنوا إخلاصكم وبواطنكم بركعتين ، وعلى المعنى الثالث يكون المراد : اذهبوا إلى الله أو ادخلوا إلى رحمته بركعتين . ثُمَّ إنَّ هناك نحو تقابلٍ بين الجحيم والجنّة في قوله تعالى : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وقوله تعالى : وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ، والتقابل بين الآيات في القرآن كثيرٌ ، فهناك تقابلٌ بين الثواب والعقاب ، وبين المؤمنين والكفّار ، وبين الجنّة والنار ، بل يُلاحظ ذلك في أغلب الآيات القرآنيّة ، أعني : ذكر الترغيب ثُمَّ ذكر الترهيب ، أو ذكر الجنّة وتفاصيلها ثُمَّ ذكر النار وتفاصيلها ، وفي بعض الأحيان يذكر العقاب أوّلًا ، ثُمَّ يذكر الثواب ، أو قل : يذكر الهدم ثُمَّ يذكر البناء ، وفي موارد قليلة جدّاً تعرّضت الآيات الشريفة إلى العقاب وحده أو الثواب وحده . وفي هذه السورة ورد التقابل بوضوحٍ ؛ لأنَّ في ضوء قوله تعالى : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ نفهم بعض الأُمور والأُطروحات ، ثُمَّ نطبّقها على قوله تعالى : وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ بالضدّ ، فتكون المقابلة واضحةً . والغرض : أنَّ الاحتمالات المتصوّرة في قوله تعالى : وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ما يلي : الاحتمال الأوّل : أنَّ الجنّة قرّبت من المتّقين ، أي : إنَّ المتّقين اقتربوا منها ودخلوها ، وهذا من القلب في المعنى ، والحقّ أنَّ المتّقين هم الذين اقتربوا منها ، ولعلّ ذلك نظير قولنا : أدخلت الخاتم في إصبعي ، والحقّ أنَّ الأصبع دخل في الخاتم .