السيد محمد الصدر
30
منة المنان في الدفاع عن القرآن
وهناك تعليقٌ على قوله : ذهب مشهور المفسّرين إلى أنَّ سائر الدوابّ تحشر حتّى الذباب للقصاص . أقول : لا أعلم ماذا يقصد من القصاص ، ولعلّ المراد أنَّ الإنسان يقتصّ من الحيوانات يوم القيامة . وهذا وإن كان فيه وجهٌ من الصحّة ، إلّا أنَّ هذه حصّة من القصاص ، وقد تقدّم : بأنَّه كما أنَّ الحيوان آذى الإنسان ، كذلك الإنسان آذى الحيوان ، فيُقال للحيوان : قمْ واقتصّ من الإنسان ، وهذا بحسب محكمة العدل الإلهي . وكذلك هناك حصّة من القصاص بين الحيوانات أنفسها . ثُمَّ إنَّ هؤلاء المفسّرين الذين نقل عنهم صاحب لسان العرب قالوا كأُطروحة في معنى الحشر : إنَّ حشر الوحوش موتها ، وهذا التفسير ناشئٌ ، من استبعاد حشر الوحوش في يوم القيامة ، فالحشر عندهم خاصّ بالإنسان ، ولا يشمل الحيوان . ويمكن القول بأنَّ مجموع معاني المادّة بحسب كلام ابن منظور : أن الحشر يفيد معاني الضيق والصعوبة والهلاك والإجحاف ، ومن ذلك حشر الناس أو الوحوش ؛ لأنَّ ازدحامهم في الحشر لا يخلو من تدافعٍ وإزعاجٍ ، لاسيّما أنَّ الحشر في يوم القيامة لا يختصّ بواحدٍ دون واحدٍ ، بل هو حشرٌ للجميع . وقد يصدق الحشر حتّى على الفرد مجازاً : يُقال : حشر فلان : إمّا مجازاً أو باعتبار أنَّ حشره ملازمٌ مع الاجتماع مع الآخرين أو لأنَّ الحشر بالنسبة له يشكّل له عامل ضغطٍ ؛ لأنَّ الحشر لا يخلو من ضيقٍ وصعوبةٍ ، وهو كما يُقال : حشرت الورقة في الثقب ، يعني : أدخلتها في مكان ضيّق ، وكذلك يُقال : حشر المعنى في كلامه حشراً ، يعني : ذكره من دون مناسبةٍ . وأمّا ما قاله ابن منظور من أنَّ الحشر بمعنى الموت فلأنَّ الإنسان إنَّما يحشر إذا مات ، أو أنَّ الموت