السيد محمد الصدر

24

منة المنان في الدفاع عن القرآن

المقدّمة الثانية : أنَّ الحساب لا يكون إلّا بعقلٍ ؛ إذ لو انعدم حقيقةً لم يبقى معنى للحساب . فنقول : إنَّ الحيوانات لها عقولٌ ، ولكن بمقدارٍ معيّنٍ ، وهو يتفاوت ما بين أصنافها ، وبهذا المقدار تستطيع تكفّل مصالحها ، وبهذا المقدار تُحاسب أيضاً . نعم ، لا تُحاسب كما يحاسب الإنسان ، بل تحاسب بقدر إدراكها وتعقّلها . وأمّا وجود العقل لديها فدليله واضح بعد ملاحظة تصرّفاتها في طعامها وشرابها وصيدها ونكاحها وتربية صغارها وغير ذلك ممّا يحتاج بطبيعة الحال إلى عقلٍ . وقد تقدّم منّا : أنَّ الشهوة أو الحاجة لا تكفي في تيسير حالة الحيوان ومعيشته ، فلو بقيت الشهوة أو الحاجة وحدها لقتلت صاحبها ؛ لأنَّه يجوع ولا يعلم أنَّ دواء الجوع هو الأكل ، فبالعقل يدرك الحيوان أنَّ دواء الجوع هو الأكل وغيرها من قضايا يستطيع من خلالها الاستمرار والعيش . ولوحظ : أنَّ العلماء وجدوا في براز القرود مادّة خضراء تعود لنباتٍ معيّن لا يأكله القرد إلّا إذا أصابه مرضٌ معيّن من أجل شفائه ، وإلّا فإنَّ طعامه شيءٌ آخر ، وهذا يعني بطبيعة الحال أنَّ لديه عقلًا . ومن ذلك نفهم أنَّنا إذا قسنا الحيوان إلى النبات والجماد ، فسنجد فرقاً كبيراً ، وهذا أمرٌ وجداني لا يحتاج إلى نقاش . والخطوة الأُخرى التي نخطوها في هذا الصدد أن نلتفت إلى عدم معاشرتنا للحيوانات ، فلا يمكننا الاطّلاع الكامل على مقدار ما رزقها الله من عقولٍ ، وكلّما دقّقنا في تصرّفاتها أكثر انجلى ذلك الأمر لنا ، لنجد أنَّ بعض الحيوانات وهبها الله سبحانه حسّاً لم يعطه للإنسان ، كالخفّاش والنحل والكلب . والغرض : أنَّ الله يعلم مدى العقل الذي وهبه لكلّ نوعٍ وصنفٍ من