السيد محمد الصدر

74

منة المنان في الدفاع عن القرآن

كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ « 1 » بمعنى : أيّها البشر ؛ لأنَّه يوجد جملةٌ من المتعمقيّن في الحكمة العليا والمعرفة الحقيقيّة يقولون : إنَّ هؤلاء البشر ليسوا بإنسانٍ ، وإنَّما يصل الإنسان إلى إنسانيّته حينما يصل إلى روحه الحقيقيّة ، أي : الروح العليا ، وهي الإنسان « 2 » . وليس هذا الذي يأكل ويمشي بإنسانٍ ، كما قال تعالى : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا « 3 » ، فهؤلاء أقرب إلى الحيوانات من الإنسان . نعم ، إذا وصل إلى روحه العليا فسوف يخرج من الحيوانيّة إلى الإنسانيّة ، وهؤلاء يسمّون بالإنسان مجازاً ، ونحن نحمل الألفاظ وكلّ ما ورد في الكتاب والسنّة على المعنى الحقيقي ؛ لأصالة الحقيقة ، إذن يُراد به الإنسان المطلق ، وليس مطلق الإنسان . وهذا كنتيجةٍ يعيّن المعنى السابق ( يا أيّها الإنسان المطلق ، إنَّك كادحٌ إلى ربّك المطلق كدحاً ) فيكون السعي والكدح الحقيقي والمقبول المبرور للربوبيّة المطلقة . وحينما يقبل الله تعالى ويبرّ عبده فلا يكون ذلك إلّا للإنسان الحقيقي ، وهو ( السير ) الذي يعبّر عنه أهل المعرفة من الله إلى الله ، أو من الحقّ إلى الحقّ « 4 » . وأوضح أمثلته معراج النبي ( ص ) ، وليس المراد أنَّه لم يعرج من الدنيا إلى العرش ونحو ذلك ؛ فإنَّه كان من أوّل الأمر هناك ، فمعراج النبي ( ص ) من الأعلى إلى الأعلى ، وليس من الأسفل إلى الأسفل ؛ لأنَّه لم يكن ولا في لحظةٍ في الأسفل ( والعياذ بالله ) .

--> ( 1 ) سورة الانشقاق ، الآية : 6 . ( 2 ) راجع ما أفاده صدر المتألّهين في الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 150 : 9 ، الباب العاشر ، الفصل السابع . ( 3 ) سورة الفرقان ، الآية : 44 . ( 4 ) راجع ما أفاده صدر المتألّهين في الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 13 : 1 ، مقدّمة المؤلّف .