السيد محمد الصدر
68
منة المنان في الدفاع عن القرآن
يعبَّر عنه عند أهل المعرفة بالسير من الخلق إلى الحقّ « 1 » . الأُطروحة الثامنة : أنَّ قوله : كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ أي : ملاقي الكدح ، والكدح هو العمل في الدنيا ، فهناك يذهب ، فيلاقي عمله بعينه . وهذه الأُطروحة من الناحية اللفظيّة لا بأس بها ؛ لأنَّه حينما يدور الأمر بين مرجعين للضمير أو مصدرين للضمير - لو صحَّ التعبير - فيقدّم الأقرب على القاعدة ، ف - ( إلى ربّك كدحاً فملاقيه ) يكون ( الكدح ) أقرب إلى الضمير من الربّ ، فيكون أولى بالرجوع إليه . ومع ذلك فإنَّ هذا في نفسه غير محتملٍ ؛ لأنَّه إمّا أن نقدّر شيئاً بعنوان أنَّ عودة الضمير إلى العمل بنفسها غير محتملةٍ ، إذن فنقدّر شيئاً ك - ( ملاقي جزاءه ) ، أي : ثواباً وعقاباً ، والتقدير يكون على خلاف الظاهر ، أو ( ملاقي عمله ويتذكّره ) ، أي : إنَّ الإنسان يتذكّر ما كان قد عمل في الدنيا ، وهذا تقديرٌ على خلاف الظاهر أيضاً . والشقّ الآخر أن نقول : إنَّه لا يحتاج إلى تقديرٍ ، وإنَّما يلاقي نفس العمل بذاته . وهذا ليس له مبرّرٌ معتدٌّ به ، إلّا نظريّةً مذكورةً في بعض أذهان المتشرّعة ، ولم أجد عليها روايةً ، وربما يوجد عليها بعض الروايات الضعيفة التي تقول بتجسّم الأعمال « 2 » ، فالفعل يكون على شكل جسمٍ ويواجهه الإنسان هناك ، فحينئذٍ نقول : إنَّ هذا الجسم الذي هو العمل أصلًا إمّا أن يواجهه في يوم القيامة وإمّا أن يواجهه في الجنّة أو النار . أمّا مواجهته في الجنّة
--> ( 1 ) أُنظر : الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة 18 : 1 ، مقدّمة المؤلّف ، وغيره . ( 2 ) أُنظر : الآيات والروايات الواردة في باب تجسّم الأعمال في ميزان الحكمة 2138 : 3 - 2142 .