السيد محمد الصدر

57

منة المنان في الدفاع عن القرآن

قوله تعالى : يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ : وهنا جعل المشهور فَمُلَاقِيهِ ذيلًا للآية السادسة « 1 » ، لا أنَّها تستمرّ إلى الآية التي بعدها ، مع أنَّ فَمُلَاقِيهِ من الناحية الذوقيّة أو الجماليّة لا تصلح أن تكون آخر الآية ، إلّا أن نخلّي سبيلها ، ونربطها بما بعدها هكذا : فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، فحينئذٍ تكون ضمن الآية ، ولكن رؤوس ونهايات الآيات في الحقيقة ليس لها ضابطةٌ ، فنحن لا نعلم مَن جعل رؤوس الآيات ، وإلَّا فالوحي في نفسه لم ينزل بما فيه من نقاطٍ ولا فواصل في بداية الآيات ، وإنَّما جعلها الجاعلون وكتبها الكاتبون ليس إلَّا ، فمن الممكن تقليصها وزيادتها . نعم ، فيها شيءٌ واحدٌ ، وقد ذكرته من بعض الجهات في كتابي ) ما وراء الفقه ( « 2 » ، وهو أنَّ رؤوس الآيات كانت موجودةً في عصر المعصومين ( عليهم السلام ) وممضاةً من قبلهم ، أي : إنَّ المعصومين ( عليهم السلام ) رأوها وسكتوا عنها ، وإقرار المعصوم سنّة وحجّة ، وإلَّا فلماذا نعطي المسألة أكثر من ذلك ؟ وبالتأكيد جُعلت ووضعت رؤوس الآيات ، وهم يعترفون بذلك ، أي : إنَّه جعلها أصنافهم ، وليس منّا من تصرّف بهذا التصرّف ، فمن هذه الناحية في نفس الأمر لا يكون حجّةً لولا أن يكون ممضىً من قبل المعصومين ( عليهم السلام ) . ومن هنا يأتي مطلبٌ آخر يدخل في الموضوع ، وهو أنَّنا نرى أنَّ جملةً من المصاحف يختلف بعضها عن الآخر في بداية رؤوس الآيات ، وهذا ليس في هذا الوقت - وكأنَّ المصلحة والارتكاز العرفي العامّي على هذه المصاحف

--> ( 1 ) راجع مصاحف أهل الأمصار طرّاً . ( 2 ) راجع ما أفاده ( قدس سره ) في الفصل الباحث حول قراءة القرآن الكريم في ما وراء الفقه 284 : 1 - 316 .